مواضيع فتكات المميزة

المواضيع المميزة التي تكتبها العضوات و تختارها الادارة لتميزها كل اسبوع

اقتراحات لتطوير الموقع

أفكار العضوات لتطوير موقع فتكات

قسم المواضيع المكررة

قسم خاص بالمواضيع التي تضاف و تكون هناك موضوعات مشابهة سابقة لها

ثقافة و معلومات

قسم الثقافة و المعلومات العامة و المتخصصة

السياحة و السفر

قسم خاص بالسياحة والسفر ومعلومات عن الدول و الاماكن السياحية

تعليم اللغات

منتدى خاص بتعليم اللغات الاجنبية

Foreign Fatakat

Fatakat topics in other languages

الكمبيوتر و الانترنت

حلول للمشاكل التي تواجهنا في الكمبيوتر و الانترنت و معلومات مفيدة عنهما

موبايلات

كل ما يتعلق بالموبايل من اخبار و برامج و موديلات

اخبار الكمبيوتر والانترنت

منتدى خاص بأخر أخبار الكمبيوتر والإنترنت

اخبار

جديد الاخبار و الاخبار العاجلة في مصر و العالم

صور

صور في كل المجالات (دون ان يكون فيها ما يغضب الله)

فيديو

منوعات فيديو و افلام (دون ان يكون فيها ما يغضب الله)

تسجيلات صوتية

صوتيات منوعة (دون ان يكون فيها ما يغضب الله)

نكت و طرائف

جديد النكت و الطرائف

منوعات

جديد الترفيه من الاخبار و المنوعات والصور من كل مكان

العاب و مسابقات

العاب و مسابقات ترفيهية

مستعمل (سكند هاند)

سوق المستعمل بين عضوات فتكات

عروض فتكات

عروض وخصومات فتكات

الاستثمار و اخبار الاقتصاد

تبادل خبرات العضوات في الاستثمار و الادخار و متاقشة تأثير الاخبار الاقتصادية عليهن

زهرات فتكات

عمرك اقل من 18 سنة؟ تعالي و دردشي مع صاحباتك في عالم زهرات فتكات!

إيمانيات الزهرات

نتعلم سويا ديننا واخلاقنا ونطور سلوكياتنا

شات زهرات فتكات

شات للزهرات فقط، ممنوع دخول الكبار :)

تعليم و مدارس

قسم معلومات عن المدارس وتجارب العضوات معها

ركن المخطوبات

قسم خاص للمخطوبات و مواضيع تهمهن

معاملة الازواج

مناقشات و نصائح عن معاملة الازواج سعيا لعلاقة زوجية سعيدة

طفولة وأمومة

صحة الطفل و كل ما يهمه من ازياء و العاب و تعليم و رعاية و تربية

صحة المرأة

مواضيع و مناقشات تهمك لصحتك حيث تهتم بتخصص النساء و الولادة

صحة العائلة

مجال الطب بصفة عامة لإفادة عائلتك وقاها الله و إياك كل شر

العيادة النفسية و التنمية البشرية

تعلمي كيف تنمين نفسك و مهاراتك و تتخلصين من المخاوف و العقد لحياة افضل!

الاعشاب و الطب البديل

فوائد الاعشاب و الثمار و كيفية التداوي بها و الطرق التقليدية للطب البديل

المنتدى الإسلامي

المواضيع الدينية و الفتاوى و الاستشارات

القرآن الكريم

انشطة حفظ القرآن الكريم و التفسير و التجويد

السنة النبوية

الاحاديث الشريفة و بيان الاحاديث الصحيحة و الاحاديث الموضوعة

الفقه الإسلامي

يتناول المسائل الفقهية والاحكام الشرعية المختلفة

صوتيات ومرئيات اسلامية

دروس ومحاضرات ومواد اسلامية

معهد اعداد داعيات فتكات

دروس ومحاضرات وواجبات منهج اعداد الداعيات

تفسير الاحلام

تفسير الاحلام بواسطة العضوات ذوات الخبرة في الاحلام

الترحيب و الاجتماعيات

الترحيب بالمشتركات الجدد و التهاني بالمناسبات المختلفة و التعارف

دردشة و مواضيع عامة

المواضيع العامة و الحوارات التي لا تندرج تحت المنتديات المتخصصه

فضفضة و تجارب

طلبات المشورة و ابداء الرأي في المشكلات و تجارب العضوات مع الحياة

قضايا مجتمعية

منتدي لمناقشة جميع القضايا المجتمعية التي تهم المرأة والأسرة بصفة عامة

فتوكات الدول العربية

ملتقى بنات وسيدات الدول العربية في فتكات

المغتربات

قسم خاص بالمغتربات لتبادل الأخبار و الخبرات والفضفضة

شات فتكات

ابدئي محادثة جديدة او شاركي في محادثة موجودة من قبل

اختر رقم الصفحة 1 2 3 الأخيرة >>

رد 0 0
0
مديرة متخصصة
مادة السيرة ... دفعة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ( الترم الأول )

٢٤‏/١٠‏/٢٠١٨
معهد اعداد داعيات فتكات


((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا))
حياكن الله حبيباتى فى الله
هنــــا
سوف نتدارس سوياً
منهج السيرة
لدفعة حفيدات أم المؤمنين زينب بنت خزيمه
المنهج

ميسر جدا لفضيلة الدكتور عبد العظيم بدوى
والمنهج مرئى ومفرغ ومعتمد من قبل
الاكادمية الاسلامية المفتوحة

الدروس كلها هذا فى الرابط
http://way2allah.com/khotab-series-4642.htm




كل ما ارجوه منكم حبيباتى فى الله
* قراءة الدرس كله جيدا قبل حل الواجب
* عدم النسخ من الكلام فليكن الحل باسلوبك اختى الحبيبة حتى لا تنقص درجات حل الواجب
* ضرورى جدا ان تقتبسى لى اى رد حتى تتم المتابعة سريعاً عند حل للواجبات
*تدخل كل اخت حلت الواجب تقول تم حل الواجب ولو فى اى استفسار تتركه فى نفس الموضوع


الاستفسارات


الاستفسارات الخاصة بمادة السيرة دفعة خديجة بنت خويلد

تجميع الواجبات

تجميع روابط مواضيع واجبات مادة السيرة دفعة خديجة بنت خويلد

رد 1456 1
22

منة الكريم
مديرة متخصصة

٣١‏/١‏/٢٠١٨ ٥،٤٢ م


الدرس الاول

((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا))

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شُرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

اللَّهمَّ صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أمَّا بعد، فإنَّ أصدقَ الحديث كتابُ الله تعالى، وخيرَ الهدي هدي محمدٍ -صلى الله عليه وآله وسلم-
وشرَّ الأمور مُحدَثاتها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

مرحبًا بكم -أيُّها الأحبة الكرام- في هذه اللِّقاءات التي سنتدارس فيها -إن شاء الله تعالى-

سيرةَ النبي -صلى الله عليه وسلم- ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن ينفعنا بهذه الدِّراسة،
وأن يرزقنا التَّأسِّي والاقتداء والاهتداء بنبينا محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم.
فإنَّ هذا -بارك الله فيكم- هو المقصود من دراسة السِّيرة، فالمقصود من دراسة
السِّيرة هو حصول التَّأسِّي بصاحب هذه السِّيرة الزَّكية العَطِرة
-صلى الله عليه وسلم- كما أمر الله -عز وجل- في قوله:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.




إن شاء الله تعالى سنتحدث في هذا الدرس الأول عن نسب الرسول -صلى الله عليه وسلم-
وميلاده، ورضاعه، وكُفَلائِهِ بعد وفاة أبيه.

وقد يتَّسع الوقتُ فتزيد بعضُ العناصر، وقد يضيق الوقتُ فتقلّ بعضُ العناصر،
لكن هذا ما نُريد أن نتحدث عنه -إن شاء الله تعالى- في هذا الدرس الأول
من هذه الدروس المباركة -إن شاء الله- في سيرة النبي محمد -عليه الصَّلاة والسَّلام.
وقبل أن نبدأ في ذكر العناصر التي أشرنا إليها في هذا الدرس أرى
أن نذكر شيئًا من فوائد دراسة السيرة بعد أن أَلْمَحْتُ إلى المقصود الأعظم منها، فأقول -وبالله تعالى التَّوفيق:

إنَّ خير ما يتدارسه المسلمون ولاسيَّما النَّاشِئون
والمتعلِّمون ويُعنَى به الباحثون والكاتبون دراسة السِّيرة المحمديَّة،
إذ هي خير مُعَلِّمٍ وَمُثَقِّفٍ ومُهَذِّبٍ ومُؤدِّبٍ، وهي آصل مدرسةٍ تخرَّج فيها الرَّعيلُ
الأول من المسلمين والمُسلمات الذين قلَّما تجود الدنيا بأمثالهم.
ففي السِّيرة ما ينشده المسلمُ وطالبُ الكمال من دينٍ، ودنيا، وإيمانٍ، واعتقادٍ،
وعلمٍ، وعملٍ، وآدابٍ، وأخلاقٍ، وسياسةٍ، وكياسةٍ، وإمامةٍ، وقيادةٍ، وعدلٍ، ورحمةٍ، وبطولةٍ، وكفاحٍ، وجهادٍ، واستشهادٍ في سبيل العقيدة والشَّريعة، والمُثُل الإنسانيَّة الرَّفيعة، والقيم الخُلُقيَّة الفاضلة.
لقد كانت السيرةُ النبوية مدرسةً تخرَّج فيها أمثلُ النَّماذج البشريَّة
وهم الصَّحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- فكان منهم الخليفة الرَّاشد،
والقائد المُحنَّك، والبطل المِغْوَار، والسياسي الدَّاهية، والعبقري المُلْهَم، والعالم العامل،
والفقيه البارع، والعاقل الحازم، والحكيم الذي تتفجَّر من قلبه ينابِعُ العلم والحكمة، والتَّاجر الذي يُحوِّل رمالَ الصَّحراء ذهبًا، والزَّارع والصَّانع اللَّذان يريان في العمل عبادةً، والكادح
الذي يرى في الاحتطاب -أن يحمل الحطبَ من الصَّحراء ويبيعه-
عملًا شريفًا يترفَّع به عن سؤال الناس، والغني الشَّاكر
الذي يرى نفسَه مُستَخْلَفًا في هذا المال الذي بين يديه، يُنفقه في الخير والمصلحة العامَّة، والفقير الصَّابر الذي يحسبه مَن لا يعلم حاله غنيًا من التَّعفُّف.
وكلّ ذلك كان من ثمرات الإيمان بالله وبرسول الله -صلى الله عليه وسلم-
وبهذا كانوا الأمَّة الوسط، وكانوا خير أمَّةٍ أُخرجت للناس.
لقد كان السَّلفُ الصَّالح من هذه الأمَّة الإسلامية يُدركون ما لسيرة
خاتم الأنبياء وسِيَر الصَّحابة النُّبلاء من آثارٍ حسنةٍ في تربية النَّشء، وتنشئة جيلٍ صالحٍ لحمل رسالة الإسلام والتَّضحية في سبيلها بالنَّفس والمال، فمن ثَمَّ كانوا يتدارسون السِّيرة ويحفظونها ويُلقِّنونها للغلمان كما يُلقِّنونهم السُّور من القرآن، كما رُويَ عن زين العابدين علي بن الحسين -رضي الله عنهما- قال: "كنا نُعلَّم مغازي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما نُعلَّم السورة من القرآن".
فما أجدر المسلمين في حاضرهم رجالًا ونساءً وشبابًا وشِيبًا أن يتعلَّموا السِّيرة ويُعلِّموها غيرهم، ويتَّخذوا منها نِبْرَاسًا يسيرون على ضوئه في تربية الأبناء والبنات، وتنشئة جيلٍ يُؤمن بالله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ويُؤمن بالإسلام وصلاحيته لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، والتَّضحية بكلِّ شيءٍ في سبيل سيادته وانتشاره،
لا يُثنِيهم عن هذه الغاية الشَّريفة بلاءٌ وإيذاءٌ، ولا إطماعٌ وإغراءٌ.

ولسنا نريد من دراسة السيرة النبوية -سيرة النبي صلى الله عليه وسلم-
وسِيَرِ الرَّعيل الأول -وهم الصَّحابة الكرام- أن تكون مادةً علميَّةً يجوز بها طلابُ العلم في المعاهد والمدارس والجامعات الامتحانَ، أو الحصول على الإجازات العلميَّة، أو أن تكون
حصيلةً علميَّةً نَتَفَيْهَقُ بها ونَتَشَدَّقُ في المحافل
والنَّوادي وقاعات البحث والدَّرس وفي المساجد والجوامع؛ كي نحظى بالذِّكر والثَّناء، وننزع من السَّامعين مظاهر الرِّضا والإعجاب، ليس هذا هو المقصود من دراسة السيرة.
ولكنا نريد من هذه الدِّراسة أن تكون السِّيرةُ مدرسةً
نتخرَّج فيها كما تخرَّج السَّادةُ الأولون، وأن نكون مُثُلًا
صادقةً لصاحب الرسالة -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام -رضوان الله عليهم-
في إيمانهم وعقيدتهم، وفي علمهم وعملهم، وأخلاقهم وسُلوكهم، وسياستهم وقيادتهم؛ حتى يعتزَّ بنا الإسلامُ كما اعتزَّ بالسَّابقين الأوَّلين من الأنصار والمُهاجرين.
ونكون في حاضرنا كما كانوا هم خير أمَّةٍ أُخرجت للناس بشهادة ربِّ الناس،
ملك الناس، إله الناس -سبحانه وتعالى- حيث خاطبهم بقوله:
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

.
فهذا هو المقصود -أيُّها الأحبَّة- من دراسة السِّيرة، أن نتعلَّم، وأن نعمل، ونتأدَّب، ونتخلَّق، ونتأسَّى برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الصَّغيرة والكبيرة، في عبادته لربِّه، ومُعاملته للناس، ومُعاملته لأهله في بيته، ولأطفاله وأحفاده، وللصَّغير والكبير من عموم الناس أجمعين.




وبعد أن عرفنا هذه الفوائد من دراستنا لسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- نبدأ بذكر نسبه الشَّريف -صلى الله عليه وسلم- فنقول:
ذكر الإمامُ البخاري -رحمه الله- نسبَ النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف" وعدَّ من آباء النبي -صلى الله عليه وسلم- نحوَ عشرين أبًا، وانتهى إلى عدنان.
وهذا النَّسب الزَّكي مُتَّفقٌ عليه بين علماء الأنساب إلى "عدنان".
قال الحافظُ أبو الخطَّاب ابن دِحْيَة: "أجمع العلماءُ على أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنَّما انتسب إلى عدنان ولم يُجاوزه"، يعني لم يتعدَّاه إلى غيره.

وأمَّا مَن بعد عدنان من آباء النبي -صلى الله عليه وسلم- فمختلَفٌ فيهم، وإن كان النَّسَّابون اتَّفقوا على أنَّ عدنان ينتهي نسبُه إلى إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام- فإسماعيل هو جدُّ النبي الأعلى، وقد انتقلت إليه منه بعضُ الصِّفات الجُسمانيَّة: ففي الحديث الصَّحيح أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لما ذكر إبراهيم -عليه السلام- قال: «وَإِنَّهُ -يعني إبراهيم- لأَشْبَهُ النَّاسِ بِصَاحِبِكُمْ».

فالنبي محمد -عليه الصلاة والسَّلام- أبوه الأعلى إبراهيم الخليل
-عليه السلام- ولم يزل -صلى الله عليه وسلم- ينتقل من أصلاب الآباء الطَّيبين
إلى أرحام الأمَّهات الطَّاهرات، ولم يمسّ نسبَه من سفاح الجاهلية شيءٌ،

بل كان بنكاحٍ صحيحٍ على حسب ما تواضع عليه العربُ الشُّرفاء حتى خرج من بين أبويه الكريمين.
وفي صحيح مسلمٍ أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».
ورواه التِّرمذي في سُننه بزيادةٍ في أوله، قال: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ».
والمراد بالاصطفاء: تخيُّر الفروع الزَّكية من الأصول الكريمة تخيُّرًا مبناه الأخلاق الكريمة،
والفضائل الإنسانيَّة السَّامية، والطِّباع الفطريَّة السَّليمة،
وينضم إلى ذلك بالنسبة إلى إسماعيل والنبي -عليهما الصَّلاة والسلام- اصطفاء النُّبوة والرِّسالة.




وإذا كان الله -سبحانه تعالى- قد جرت سُنتُه ألا يبعث نبيًّا إلا في وسطٍ من قومه شرفًا ونسبًا، فقد كان النبيُّ -عليه الصلاة والسَّلام- في الذِّروة من هذا كلِّه، فما من آبائه إلا كان مليًّا بالفضائل والمكارم،
وما من أمٍّ من أمَّهاته إلا وهي أفضل نساء قومها نسبًا وموضعًا، ولم تزل الفضائلُ
والكمالات البشريَّة تنحدر من الأصول إلى الفروع حتى تجمَّعت كلّها في سلالة ولد آدم ومُصَاصَة بني إبراهيمَ وإسماعيلَ: محمدٍ بن عبد الله الأمين -صلى الله عليه وسلم.
وليس من شكٍّ في أنَّ النَّسب الكريم إذا زانه الحسبُ العريقُ كان ذلك من أسباب الكمال.




ووراثة الصِّفات الخَلقيَّة والخُلُقيَّة والخصائص النَّفسيَّة والعقليَّة أمرٌ مُقرَّرٌ معلومٌ، وقد دلَّ على هذه الوراثة قولُ النبي -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي جاء يشكو أنَّ امرأته
وضعت غلامًا أسودَ، والرجل -الأب- ليس أسود، فكيف يجيء الولدُ أسودَ من أبٍ أبيض؟!
فقال النبيُّ -عليه الصَّلاة والسَّلام- للرجل الذي كاد يشُكّ في امرأته: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قال: نعم. قال: «وَمَا أَلْوَانُهَا؟» قال: حُمْر. قال: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» والأَوْرَق هو ما كان لونُه مُختلِطًا- قال: نعم. قال: «فَأَنَّى ذَلِكَ؟» إذا كانت إبلُك حمراء وعندك جملٌ لونه مُختلِط –أورق- فكيف جاء هذا؟ فقال الرجلُ: لعله نزعه عرقٌ. قال -صلى الله عليه وسلم: «فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ».
وقد ورث -صلى الله عليه وسلم- من آبائه كلَّ المكارم،
وكلَّ الفضائل في الجسم والعقل والدِّين والخُلُق والنَّسب والحسب -عليه الصَّلاة والسلام.
فهذا ما أردنا تعريفكم به من نسب النبي -صلى الله عليه وسلم



اسئلة الدرس الاول
1- ما الهدف من دراسة السيرة النبوية؟
2- اذكر نسب الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء فى صحيح البخارى؟


منة الكريم
مديرة متخصصة

٧‏/٢‏/٢٠١٨ ٣،٣٣ م


الدرس الثانى

بسم الله الرحمن الرحيم.

بعد أن عرفنا النَّسبَ الشَّريف نُريد أن نستوضِح: هل النَّسب ينفع صاحبَه إن لم يكن معه إيمانٌ أو عملٌ صالحٌ؟}

النَّسب له مكانته عند العرب قبل الإسلام،
وقد كان النَّسبُ والحسبُ هو المُقدَّم على كلِّ شيءٍ،
فلمَّا جاء الإسلامُ أراد أن ينزع منهم الفخرَ بالحسب والنَّسب،
وأن يُبيِّن لهم أنَّ منزلة الناس عند الله -سبحانه وتعالى
إنَّما هي بالإيمان والدين، قال الله تعالى
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

وبينما النبيُّ -عليه الصلاة والسلام- جالس يومًا وعنده رجلٌ مرَّ رجلٌ،
فقال -عليه الصَّلاة والسَّلام- لجليسه: «مَاذَا تَقُولُ فِي هَذَا؟»
فقال: هذا رجلٌ من أغنياء الناس، هذا حَرِيٌّ إن خطب أن يُنْكَح
وإن شفع أن يُشَفَّع، وإن قال
أن يُسمَع لقوله
فسكت -عليه الصَّلاة والسَّلام- ثم مرَّ رجلٌ آخر فقال
-عليه الصَّلاة والسَّلام- لجليسه: «مَاذَا تَقُولُ فِي هَذَا؟» فقال: هذا رجلٌ من فقراء المسلمين، هذا حَرِيٌّ إن خطب ألا يُنْكَح، وإن شفع ألا يُشَفَّع، وإن قال ألا يُسمَع لقوله. فقال -صلى الله عليه وسلم- مُصَحِّحًا للمفاهيم: «هَذَا -أي الفقير- خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا».

فلمَّا نزع النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- من قلوب أصحابه الفخرَ بالحسب والنَّسب وتقدير الناس وتقييمهم بهذا الميزان، رسَّخ الميزانَ الصَّحيحَ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

بعد ذلك بَيَّنَ أنَّ الحسب والنَّسب لا شكَّ أنَّ له أثرًا في حياة الناس،
وله قيمةً في حياة الناس إذا صاحبه الإيمانُ والتَّقوى؛
ولذلك قال -عليه الصلاة والسَّلام:
«تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا»،
فالحسب والنَّسب مع الدين لا شكَّ أنَّ له قيمةً في حياة الإنسان، وأثرًا في سُلوكيَّاته.

أمَّا إذا خلا الحسبُ والنَّسب من الدين ومكارم الأخلاق والعمل الصَّالح فلا قيمةَ له.

ولذلك جاء في الحديث: «مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»،
وفي القرآن الكريم قال الله تعالى:
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ولَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.



ننتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني وهو: ميلاد النبي -صلى الله عليه وسلم- فنقول -وبالله تعالى التَّوفيق:

من المعلوم المشهور عند الصَّغير والكبير
أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وُلِدَ عام الفيل،
فهذا شيءٌ مشهورٌ عند الصِّغار والكبار،
فقبل أن نتحدث عن ميلاده -عليه الصَّلاة والسَّلام- ينبغي أن نعرف ما عام الفيل؟
وما هذا الفيل؟ وما قصَّته؟ وما الواقعة والحادثة التي نُسِبَ إليها هذا العام -عام الفيل؟

فنقول -وبالله تعالى التَّوفيق:

قصة الفيل قصَّةٌ مشهورةٌ أرَّخ بها العربُ لدلالتها على مزيد عناية الله تعالى ببيته الحرام،
ذلك أنَّ أبرهة الحبشي لما غلب على بلاد اليمن، ورأى الناسَ
يقصدون زُرفاتٍ ووُحدَانًا، ورجالًا ورُكْبَانًا الكعبةَ البيت الحرام،
قال أبرهةُ: إلامَ يقصدون؟ أين يذهب هؤلاء؟ فالناس كلّ موسمٍ يذهبون،
وكل شهرٍ يُسافرون، أين يذهبون؟

قالوا: إلى الكعبة بمكة يحُجُّون.

قال: وما هو البيت هذا؟

قالوا: بيتٌ من الحجارة.

قال: وما كسوته؟

قالوا: ما يأتي هاهنا من الوصائل.

والوصائل: هي ثياب مُخطَّطة يمانية كانت تُكسَى بها الكعبة قديمًا.

قال: لأبنينَّ بيتًا خيرًا من هذا البيت.

فأراد أبرهةُ أن يبني بيتًا يصرف به الناسَ
عن قصد البيت الحرام للحجِّ والعُمرة. قال: لأبنينَّ بيتًا خيرًا منه
فبنى لهم كنيسةً بصنعاء، وتفنَّن في بنائها وتزيينها،
وسمَّى هذه الكنيسة "القُلَّيْس"، وقصد بها صرف العرب عن التَّوجه إلى الكعبة.




فعمد أعرابيٌّ من العرب أخذته الغيرةُ على الكعبة -بيت الله الحرام-
فذهب إلى هذه الكنيسة فقضى حاجته في داخلها، أي تغوَّط فيها،
فلمَّا علم أبرهةُ بهذا الفعل استشاط غضبًا، وعزم على هدم الكعبة، وسار في جيشٍ جرَّارٍ عظيمٍ لا قِبَل لأهل مكة ولا للعرب كلّهم به، وأراد أن يهدم الكعبة.

فتعرَّضت له في الطَّريق بعضُ قبائل العرب، ولكنَّه تغلَّب عليها،
فقتل مَن قتل منهم، وأسر مَن أسر.

وعند مشارف مكَّة وجدوا إبلًا لعبد المطلب بن هاشم،
فاستاقوها وأخذوها، فذهب عبدُ المطلب إلى أبرهة،
وكان عبدُ المطلب وسيمًا جميلًا تعلوه المهابةُ والوَقَارُ،
فأبرهة عظَّم شأنَه وقدَّره، وأنزله منزلتَه وأكرمه.

فقال: يا عبد المطلب، لماذا جئتَ؟

قال: جئتُ أقول لك: الجمال التي أخذتها هذه جمالنا، فلماذا أخذتها؟

فقال أبرهةُ لعبد المطلب: أتُكلِّمني في الإبل ولا تُكلِّمني
في بيتٍ فيه عزّك وشرفك وشرف آبائك؟! أنا جئتُ أهدم الكعبة
التي تفخر بها وتعتزّ بها، فتترك هذا الأمر الذي جئتُ له وتقول: هات جمالنا؟!

فقال عبدُ المطلب هذه الكلمة التي طارت في الآفاق وسارت مسار الأمثال
"أنا ربُّ الإبل، وللبيت ربٌّ يحميه". أي أنا ربُّ الإبل،
جئتُ أُكلِّمك فيما أملكه، أمَّا البيت فله ربٌّ يحميه.

ثم رجع عبدُ المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة ومعه نفرٌ من قريش، وأخذوا يدعون الله تعالى ويستنصرونه أن يحمي بيته، وأن يهزم أبرهةَ وجنده.

وكان مما قال عبدُ المطلب وهو مُتعلِّقٌ بأستار الكعبة:

اللَّهُمَّ إنَّ المرءَ يمنَعُ رَحْلَه

فامْنَعْ رِحَالَك
وانصر على آل الصَّلِيب
وعابديهم يوم آلك
لا يغلبَنَّ صليبُهُمْ
وَمِحَالُهُمْ أَبَدًا مِحالَكْ
إنْ كنتَ تاركَهُمْ وَقِبْلَتَنا
فأَمْرٌ ما بَدَا لَكْ




أي يا ربّ لسنا قادرين أن نُدافع عن البيت، والبيت بيتك، إن تنصره فهو بيتك،
وإن كنت ستُخلِّي بين أبرهة والبيت فالأمر يا ربّ لك.

ثم أرسل حلقةَ البيت وانطلق هو ومَن معه من قريشٍ إلى الجبال،
فهربوا في الجبال ينظرون ما يفعل أبرهةُ بالبيت،
وكان في جيش أبرهة فيلٌ عظيمٌ، ولهذا سُمِّيت قصة الفيل، أو حادثة الفيل.

فصاروا كلَّما وجَّهوا الفيلَ إلى الطَّريق المُؤدِّي إلى مكة أبى وبرك،
فكلَّما وجَّهوه إلى الكعبة ليهدمها يبرك ولا يتحرك، فإذا وجَّهوه
إلى غير طريق مكة مشى وانطلق، ومع هذه الآية العظيمة التي رآها
أبرهةُ أصَرَّ وجيشه على هدم الكعبة.

فما كان من الله -عز وجل- إلا أن أرسل عليهم طيرًا أبابيل،
في مناقيرها وأرجُلها حجارة صغار، فصارت ترميهم بهذه الحجارة،
ولكنَّها لم تُصبهم كلّهم،
فكان مَن صادفه حجرٌ تمزق جسمه ومات، وخرجوا
هاربين يتساقطون بكلِّ طريقٍ، ويهلِكُون بكلِّ مهلِكٍ، ونكَّل اللهُ بأبرهةَ وجيشه شرَّ تنكيلٍ.



وقد ذكر الله -سبحانه وتعالى- هذه الحادثة في القرآن الكريم وأفرد لها سورةً من قصار السُّور اسمها سورة الفيل.

بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾.

فهذه سورة في القرآن تضمَّنت القصةَ وما أصاب هذا الجيش فيها.



وقد أشار النبيُّ -عليه الصلاة والسَّلام- إلى هذه الحادثة -حادثة الفيل-
لما توجَّه سنة 6 من الهجرة إلى مكة للعمرة، فصدته قريش ومنعته من دخول مكة، فكانت النَّاقةُ التي يركبها -عليه الصَّلاة والسلام- كلَّما وجَّهوها


إلى مكة تبرك وتأبى أن تمشي. فقالوا: خلأت القصواء -اسم الناقة.
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «مَا خَلَأَتْ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ».

ولذلك أجاب النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- قريشًا إلى الصُّلح
على الرغم من أن الصُّلح كان فيه شروطٌ
لم يرضَ عنها الصَّحابةُ، ولكن النبيَّ -عليه الصلاة والسَّلام-
رأى في بُروك النَّاقة وعدم دخولها مكة آيةً تقول له أنَّ عدم الدُّخول أفضل من الدُّخول.

هذه هي الحادثة التي أرَّخ بها العربُ، فيُسمُّونها عام الفيل، وفي ذلك العام وُلِدَ النبيُّ -عليه الصلاة والسلام.

هذه القصة أو هذه الحادثة فيها دروسٌ وعِبَرٌ كثيرةٌ جدًّا،
الدُّروس التي نستفيدها من حادثة الفيل؟

أولًا: بيان شرف الكعبة: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾. وكيف أنَّ مُشركي العرب كانوا يُعَظِّمون الكعبة ويُقدِّسونها، ولا يُقدِّمون عليها شيئًا، وتعود هذه المنزلة للكعبة عند العرب إلى بقايا من ديانة إبراهيمَ وإسماعيلَ -عليهما الصَّلاة والسلام.

كذلك من الدروس: التَّضحية في سبيل المُقدَّسات،
عليها، فقد خرج -كما أشرت- بعضُ ملوك العرب إلى أبرهة ليَصُدُّوه،
ولكن -كما قلت- غلب مَن غلب منهم، وأسر مَن أسر.

فالدِّفاع عن المُقدَّسات غريزةٌ في النَّفس، والتَّضحية عنها فطرةٌ في الإنسان.

كذلك في قول عبد المطلب: "سنخلي بينه وبين البيت، فإن خلى اللهُ بينه وبينه فوالله ما لنا بهم قوَّة". تقريرٌ دقيقٌ لحقيقة المعركة بين الله وأعدائه، فمهما كانت قوة العدو وحشوده فإنَّها لا تستطيع الوقوف لحظةً واحدةً أمام قُدرة الله -سبحانه وتعالى- وبطشه ونِقْمَته، فهو سبحانه واهب الحياة وسالبها في أيِّ وقتٍ يشاء، وهو المُحيي، وهو المُمِيت.

كذلك رأينا تعظيمَ العرب لبيت الله الحرام الذي تكفَّل بحفظه وحمايته من عبث المُفسِدين وكيد الكائدين.

قال العلماءُ: كانت حادثةُ الفيل من شواهد النُّبوة، ودلالة
دلالتها، فإنَّ الله -سبحانه وتعالى- حفظ البيت الحرام من أبرهة
أن يهدمه لما اقتربت بعثةُ النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي سينشر التَّوحيدَ في مكة، وسيرد العربَ إلى ما كانوا عليه من دين أبيهم إبراهيم -عليه السَّلام.


{قد عرفنا أنَّ الله تعالى حفظ البيت الحرام من أبرهة الحبشي،
وهناك حديثٌ يقول أنَّ الذي سيُخَرِّب الكعبةَ ذو السُّوَيقَتَين من الحبشة،
فلما لن يحفظ الله البيت من هذا الرجل كما حفظه من أبرهة؟}

الحديث: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَينِ مِنَ الْحَبَشَةِ».
والسُّويقتان: تثنية ساق. فيقول -عليه الصَّلاة والسلام: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ»، يعني رجلٌ نحيفٌ جدًّا، وساقاه رفيعان جدًّا،
وهو حبشيٌّ أيضًا، وأبرهة كان جبشيًّا
فهذا الرجل يتمكَّن من هدم الكعبة آخر الزَّمان وينقضها حجرًا حجرًا.

فسؤالك هو: أبرهة الحبشي لما قصد هدم الكعبة أهلكه الله وجنده،
الكعبة، فكيف يُمَكِّن اللهُ -عز وجل- هذا الحبشيَّ الآخر في آخر الزمان من هدم الكعبة؟ ولماذا لا يحفظها كما حفظها من أبرهة؟

الجواب: إنَّ الله -سبحانه وتعالى- حفظ الكعبةَ من أبرهة وجيشه

في هذا الزَّمان لما كان يُنتَظر من بعثة النبي -عليه الصلاة والسَّلام- الذي قال الله فيه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾،
فحفظ الله البيتَ في ذلك الزمان من أبرهة لما أراد بالناس من الخير والرحمة، كما قال في حقِّ النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.

أمَّا ذلك الحبشي الآخر -ذو السُّوَيْقَتَين- الذي في آخر الزمان فسيهدم الكعبة،
فهدم الكعبة علامةٌ من علامات السَّاعة الكبرى، وللسَّاعة علاماتٌ كبرى، يقول العلماءُ: كالعقد المَنْظُوم. أي أنَّه ساعة أن تظهر العلامةُ الأولى تجد العلامةَ الثَّانية والثالثة والرابعة والخامسة وسائر العلامات تظهر تباعًا، ثم يُنْفَخ في الصُّور وتنتهي الدنيا.

ففي آخر الزمان حين يقلّ أهلُ الخير، ويقلّ أهلُ التَّوحيد، ويبقى في الأرض شرارُها كما قال -عليه الصَّلاة والسَّلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللهَ اللهَ. أَو يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». فلما لم يبقَ في الأرض من أهل التَّوحيد أحدٌ، ولم يبقَ فيها إلا شرارُها؛ فلم تعُد لبقاء الكعبة فائدةٌ، فيُسَلِّط اللهُ هذا الحبشي فيهدمها؛ ليزداد إثمًا بتلك الجريمة التي يرتكبها،
ويُعذَّب بذلك في النار -والله تعالى أعلم.



الاسئلة
س1 :لخص قصة الفيل؟
س2 اذكر الدروس المستفادة من قصة الفيل
س3: ما مناسبة قول رسول الله صلا الله عليه وسلم«مَا خَلَأَتْ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ»
س4 ذكر فى الدرس علامة من علامات الساعة الكبرى فما هى ؟




منة الكريم
مديرة متخصصة

١٥‏/٢‏/٢٠١٨ ٦،٤٦ م
 

((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا))

الدرس الثالث
بعد أن عرفنا لماذا سُمِّي عام الميلاد بعام الفيل، ننتقل للحديث عن ميلاده -صلى الله عليه وسلم- فنقول:

إذا سألنا صغار المسلمين فضلًا عن كبارهم: ما اسم أبي النبي؟
ش
سيقولون: عبد الله بن عبد المطلب.

وما اسم أمه؟

سيقولون: آمنة بنت وهبٍ.

إذن قبل أن نتحدث عن المولود نتحدث عن زواج الوالدين،
مَن الوالد؟ ومَن الوالدة؟ وكيف تمَّ هذا الزَّواج المبارك الذي نشأ منه خيرُ خلق الله محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم؟




نقول:

كان عبدُ الله بن عبد المطلب شابًّا نسيبًا جميلًا وسيمًا،
قوي البُنيان، فغدا مطمع الآمال، وغاية الأماني
من الكواعب الحِسَان من شريفات قريش، فتطلَّعت
كلُّ امرأةٍ حسيبةٍ نسيبةٍ ذات مكانةٍ في قريشٍ إلى أن تحظى بالزَّواج
من عبد الله بن عبد المطلب.

فرأى أبوه عبد المطلب -شريف مكة وسيدها-
أن يُزوِّجه بكرًا من كرائم البيوتات القرشيَّة، وفكَّر الشيخُ ثم فكَّر حتى هداه تفكيره -وهو العارف بالأعراق والأحساب والأنساب- إلى فتاة بني زُهرة آمنة بنت وهب بن عبد مناف،
فأخذ بيد عبد الله وذهب به حتى أتى منازل بني زهرة،
ودخل وإيَّاه دار وهب بن عبد مناف الزّهري، وهو يومئذٍ سيد بني زُهرة نسبًا وشرفًا، فزوَّجه ابنتَه آمنة، وهي يومئذٍ أفضل امرأةٍ في قريش نسبًا وموضعًا. وبنى عبدُ الله بآمنة.

ما معنى بنى؟
أي دخل بها، والبناء معروف.

وبنى عبد الله بآمنة، وبقي في بيت أبيها ثلاثة أيامٍ على عادة العرب في ذلك،
فقد كان العربُ إذا زوَّجوا رجلًا بنوا له بيتًا عند والد امرأته فيُقيم ثلاثًا،
ثم يأخذ امرأتَه ويرجع إلى أهله، حتى كان اليوم الرابع انتقل
عبدُ الله بن عبد المطلب بزوجه إلى منازل عبد المطلب.

وعاش الفتى المرمُوق المحبوب والفتاة الوادعة الجميلة الشَّريفة أيامًا معدودات،
لم تتجاوز عند جمهرة المؤرخين عشرة أيام،
أي أنَّ عبد الله عاش مع آمنة عشرة أيام فقط، فحياته الزَّوجية مدتها عشرة أيام، وشاء الله أن تكون هذه الأيام هي عمر الحياة الزوجية في هذا الزواج المبارك.




في هذه الأيام المعدودات حملت السيدةُ الشَّريفة
آمنة بسيد هذه الأمَّة، وقد ادَّخرها القدرُ لأعظم أمومةٍ في التاريخ،
وتوالت عليها الرُّؤى والبُشْرَيَات بجلال قدر هذا الجنين،
فرأت فيما يرى الناَّئمُ حين حملت أنَّها خرج منها نورٌ أضاء الأرض،
وبدت قصورُ بصرى من أرض الشَّام.


ولم يطل المقام بالفتى الشَّاب عبد الله مع زوجته آمنة بنت
وهب حتى خرج في تجارةٍ إلى الشام وترك الزوجةَ الحبيبة، وهو لا يدري أنَّها علقت بالنَّسمة المباركة.
وقضى الزوجُ المكافحُ مدَّةً في تصريف تجارته وهو يعُدّ الأيام كي يعود إلى زوجته فيهنأ بها وتهنأ به،
فما أن فرغ من تجارته حتى عاد، وفي أثناء عودته من الشَّام عرَّج على أخوال أبيه عبد المطلب -وهم بنو النَّجار في المدينة- فمرض عندهم،
فبقي هو عند أخواله، وعاد رفاقُه وأصحابُه الذين كانوا معه في تلك السَّفرة.




ووصل الرَّكبُ إلى مكة، وعلم منهم عبدُ المطلب
بمرض ولده عبد الله، فأرسل أكبر بنيه وهو الحارث بن عبد المطلب ليأتي بأخيه، وما أن وصل الحارثُ إلى المدينة حتى علم أنَّ عبد الله قد مات ودُفِنَ بالمدينة، فرجع حزين النفس على فقد أخيه، ولم يكن للجنين عند فقد الأب إلا شهران.

ورجع الحارثُ بدون أخيه عبد الله والد النبي -عليه الصلاة والسلام.
وتقدَّمت أشهرُ الحمل بالسيدة الشَّريفة آمنة بنت وهب وهي تترقَّب الوليد الذي لم تجد في حمله وهنًا ولا ألمًا، وهتف بها هاتفٌ قائلًا: إنَّكِ قد حملت بسيد هذه الأُمَّة، فإذا وقع على الأرض فقولي: "أُعِيذه بالواحد من شَرِّ كُلِّ حاسدٍ، وسمِّيه محمدًا".
وبلغ الكتابُ أجله، وبعد تسعة أشهر أذن اللهُ للنور أن يسطع،
وللجنين المُستَكِن أن يظهر إلى الوجود، وللنَّسمة المباركة أن تخرج إلى الكون؛
لتُؤدِّي أسمى وأعظم رسالةً عرفتها الدنيا في عمرها الطَّويل.




وفي صبيحة اليوم الثاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل، الموافق سنة 570 من ميلاد عيسى بن مريم -عليه السلام- حيث بدأ الصُّبحُ يتنفَّس، وآذن نورُ الكون بالإشراق افترَّ ثغرُ الدنيا عن مُصَاصَةِ البشر، وسيد ولد آدم، وأكرم مخلوقٍ على الله محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم.
فلمَّا وضعته السيدةُ والدته خرج معه نورٌ أضاء ما بين المشرق والمغرب، حتى رأت منه قصور بُصْرَى بالشَّام، ووقع جاثيًا على رُكبتيه، مُعتَمِدًا على يديه، رافعًا رأسَه إلى السَّماء، ثم أخذ قبضةً من التُّراب فقبضها.
وقد روى الإمامُ أحمد وغيرُه عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: «إِنِّي عِنْدَ اللهِ لَخَاتَمُ النَّبِيينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ، وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النَّبِيينَ يَرَيْنَ».




وإنَّ أمَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأت حين وضعته نورًا أضاءت له قصور الشَّام.
وكانت ولادتُه -صلى الله عليه وسلم- في دار أبي طالب بشِعْب بني هاشم.
وكانت قابلتُه: الشِّفاء أم عبد الرحمن بن عوف.
ولقد نَعِمَت الأُمُّ التي ترمَّلت في شبابها بالوليد الجميل، المُشرِق الجبين، الذي ملأ البيتَ من حولها نورًا وسُرورًا، ورأت فيه السَّلْوَى عن الحبيب الغالي الذي تركه لها وديعةً في ضمير الغيب ثم مات.

وما إخالها إلا قد زرفت الدَّمعَ ثخينًا أن لم يرَ الأبُ الشَّابُ هذا الوليدَ الذي يملأ العيونَ جمالًا ومهابةً ومحبَّةً.
وكان أول ما فعلته السَّيدة آمنة أن أرسلت إلى جده عبد المطلب تُبَشِّره بميلاد الحفيد ابن الحبيب، وجاء الجدُّ فرحًا مسرورًا، وضمَّه إلى صدره ضمات خفق لها قلبُه، وخفَّفت من لوعة الحزن على الحبيب المُغَيَّب في ثرى المدينة، وذهب عبدُ المطلب
بحفيده محمد إلى الكعبة، فقام يدعو الله ويشكره على ما أنعم به عليه وأعطاه،
وسمَّاه محمدًا، ولم يكن هذا الاسمُ شائعًا عند العرب،
ولا تسمَّى به إلا عددٌ قليلٌ جدًّا، ولكن الله سبحانه ألهم عبدَ المطلب ذلك إنفاذًا لأمره،
وتحقيقًا لما قدَّره وذكره في الكتب السَّماويَّة التي بشَّرت به -صلى الله عليه وسلم.

ولما سُئِلَ: لماذا سمَّيت هذا الولد محمدًا؟
قال عبدُ المطلب: أردت أن يحمده اللهُ في السَّماء، ويحمده الناسُ في الأرض.


ولعلَّ السيدة آمنة أخبرت عبدَ المطلب بالرُّؤيا التي رأتها في منامها وما بُشِّرت به، وأن تُسميه محمدًا، فتوافقت الرُّؤيا مع رغبة عبد المطلب، ورجع شيخُ مكة وشريفها عبد المطلب وهو يحمل بين يديه نسمةً هي خير الدنيا على الإطلاق.
وفي اليوم السَّابع -كما هي عادة العرب- نحر الجدُّ الذَّبائح وأقام الولائم؛ شُكرًا لله، واحتفاءً بالوليد الذي رأى في حياته حياةً موصولةً لابنه الغالي عبد الله، ومرآةً صافيةً يرى في صفحتها المُشرقة النَّيرة وجهَ عبد الله كلَّما أهاجته الذِّكرى، وثار في نفسه الشَّجَنُ.
وقد شارك البيتُ الهاشميُّ في الغبطة بالولد الجديد، فهذه ثُوَيبة الأسلميَّة جارية أبي لهب ابن عبد المطلب لما بشَّرت سيدها بميلاد ابن أخيه -محمد- أعتقها.
وقد قال الشُّعراءُ في ميلاد النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- ما قالوا، ومنهم قول شوقي أمير الشُّعراء:
وُلِـدَ الـهُـدَى فَـالكَائِنَاتُ ضِيَاءُ
وَفَـمُ الـزَّمَـانِ تَـبَـسُّـمٌ وَثَنَاء

إلى آخر ما قاله في حقِّ النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام.




مَن الأُمَّهات اللاتي أرضعن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم؟
كانت أولى مَن أرضعته أُمُّه آمنة بنت وهب، قيل: أرضعته ثلاثة أيام. وقيل: سبعًا، وقيل: تسعًا.

ثم أرضعته ثُوَيْبَة جارية عمِّه أبي لهب بلبن ابنها مسروح بضعة أيامٍ قبل قدوم حليمة عليه، وكذلك أرضعت عمَّه حمزة، فثُوَيبَة أرضعت النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وأرضعت عمَّه حمزة بن عبد المطلب وابن عمَّته أبا سلمة المخزومي، فكانوا إخوةً من الرَّضاع.

ثم استُرضِع -صلى الله عليه وسلم- في بني سعدٍ، وأرضعته حليمةُ، وكان من عادة أشراف العرب أن يلتمسوا المَرَاضِع لأولادهم في البَوَادِي.


فلماذا كانوا يُرسِلون الأطفالَ لينشؤوا في الصَّحراء والبادية؟
ليكون ذلك أنجبَ للولد، وأصحَّ للبدن، وأصفى للذِّهن، وأبعد عن الوَخَم والكسل.
فكانوا يقولون: إنَّ المُرَبَّى في المدن يكون كليلَ الذِّهن، فاتر العزيمة، ضعيف البِنْيَة.
فكانوا يُربُّون الأطفالَ في الصَّحراء حتى ينشأ الأطفالُ خشنين، وعندهم جَلَدٌ وقُوَّة وعزيمة، مع الهواء النَّقي الصَّافي البعيد عن وباء وتلوث البيئة الحضريَّة المدنيَّة.
وفي نشأتهم بين الأعراب من استقامة اللِّسان بالفصيح من الكلام، والسَّلامة من اللَّحْن، والبراءة من الهجنة.
ولما قال الصِّديقُ أبو بكر -رضي الله عنه- للنبي -صلى الله عليه وسلم:
"ما رأيت مَن هو أفصح منك يا رسول الله!"
. قال: «وَمَا يَمْنَعُنِي وَأَنَا مِنْ قُرَيْشٍ، وَأُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ».
فمن ثَمَّ كان العربُ يُرسِلون أبناءَهم إلى البادية حتى يبلغوا الثَّامنة أو العاشرة.

ومن القبائل مَن كان لها في المراضع شُهرة، أي ليست كلُّ القبائل مشهورةً بالرَّضاع، فكانت هناك قبائل مشهورة أنَّ نساءها يُرضِعْن، فكان لها شُهرة في الرَّضاع،
وشُهرة في الفصاحة، ومنها قبيلة بني سعدٍ التي كانت منها حليمة بنت أبي ذُؤَيْبٍ السَّعديَّة مرضعة النبي -صلى الله عليه وسلم.




كيف أخذت حليمةُ النبيَّ -عليه الصَّلاة والسَّلام؟ وكيف أرضعته؟ وكيف كانت نشأته عندها؟

لندع حليمةَ تقُصُّ علينا قصَّتها مع النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- لما فيها من العبرة والرَّوعة ورعاية الله لنبيه في صغره.
تقول حليمةُ: "قَدِمْتُ مكة في نسوةٍ من بني سعدٍ نلتمس الرُّضَعَاء،
في سنةٍ شَهْبَاء -أي سنة جدبٍ وقَحْطٍ- على أتانٍ". ما الأتان؟
أُنثى الحمار.
"على أتانٍ لي، ومعي صبيٌّ لنا، وشارف -أي ناقة- والله ما تَبِضُّ بقطرةٍ". أي أنَّ ناقتها ليس فيها نقطةُ لبنٍ.
"وما ننام ليلنا ذلك مع صبينا ذاك، لا يجد في ثديي ما يُغَذِّيه، ولا في شارفنا ما يُغَذِّيه".
أي أنَّ حليمة لا تأكل، فليس في صدرها لبنٌ، والنَّاقة أيضًا ليس فيها لبنٌ؛ لأنَّها كانت سنةَ جدبٍ وقَحْطٍ، فلا يوجد أكلٌ ولا لبنٌ.
"فقدمنا مكَّة، فوالله ما علمتُ منا امرأةً إلا وقد عُرِضَ عليها
رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فتأباه إذا قيل أنَّه يتيمٌ".
أي أنَّ النساء اللاتي جِئْنَ من البادية يلتمسن الرُّضعاء في مكَّة، كلُّهن عُرِضَ عليهنَّ محمد، فيقلن: مَن هذا؟ مَن أبوه؟ فيُقال: هذا يتيم. فيقُلن: ماذا سنفعل باليتيم؟!
فالمُرْضِعَة أتت لتأخذ رضيعًا تُرضعه حتى تأخذ أجرةً: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
فهذا يتيمٌ، فمَن الذي سيُعطيها أُجرة؟!
"وذلك أنَّا كنَّا نرجو المعروفَ من أبي الصَّبي، فكنا نقول: يتيم،
ما عسى أن تصنع أُمُّه؟! فكلُّنا نكره ذلك".
قالت: "فوالله ما بقيت من صواحبي امرأةٌ إلا أخذت رضيعًا غيري".
فكلُّ واحدةٍ من النِّساء اللاتي جئن لالتماس الرُّضَعَاء أخذن رضيعًا، وحليمة لم تجد رضيعًا تأخذه، فلم يبقَ أمامها إلا اليتيم.
قالت: "فقلتُ لزوجي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيعٌ". كيف آتي وأرجع وليس معي رضيعٌ؟!
قالت: "لأنطلِقَنَّ إلى ذلك اليتيم فلآخُذنَّه. قال: لا عليكِ أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركةً".
قالت: "فذهبتُ إليه فإذا هو مُدْرَجٌ في ثوبٍ -أي مَلْفُوفٌ- أبيض من اللَّبن -ثوب من الصُّوف- يفوح منه المسك، وتحته حرير أخضر، راقِدٌ على قفاه يغُطُّ، فأشفقتُ
أن أُوقِظه من نومه لحُسنه وجماله، فدنوتُ منه رُويدًا،
فوضعتُ يدي على صدره فتبسَّم ضاحكًا،
وفتح عينيه لينظر إليَّ، فخرج من عينيه نورٌ حتى دخل خلال السَّماء وأنا أنظر،
فقبَّلته بين عينيه، وأعطيته ثديي الأيمن فأقبل عليه بما شاء من لبنٍ".
انتبه! لقد قالت من قبل أنَّ ابنها لم يرضع منها لأنَّه لم يكن هناك لبنًا،
ولكنَّها ساعة أن أرضعت النبيَّ تدفَّق اللَّبنُ من ثديها.

قالت: "فحوَّلتُه إلى الأيسر فأبى، فكانت تلك حالته".
أي أنَّه لا يرضع إلا من اليمين، ولذلك كان دائمًا يُحبُّ التَّيَمُّن -عليه الصَّلاة والسَّلام.
نكتفي بهذا القدر في هذا الدرس -إن شاء الله-
ونُواصِلُ بعد ذلك الحديثَ في كيف كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مع حليمة؟ وما الحوادث التي عرضت له عند بني سعدٍ؟
هذا والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. احنا كدة نزلنا ثلاث دروس متجمعين فى




اسئـــلة الدرس الثالث
1- متى ولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟
2-ماذا رات امه السيدة آمنة بنت وهب فى المنام؟
3- لماذا سمى عبد المطلب محمد بهذا الاسم؟
4-لماذا كانوا يُرسِلون الأطفالَ لينشؤوا في الصَّحراء والبادية؟
5- من ارضع النبى صلى الله عليه وسلم ؟


منة الكريم
مديرة متخصصة

٢٢‏/٢‏/٢٠١٨ ٨،٠٥ م


الدرس الرابع
((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا))

قد انتهينا إلى أخذ حليمة له -عليه الصَّلاة والسَّلام- وهي لذلك كارهة مُضطرة، 
حيث جاءت في نسوةٍ من أهلها يطلبن المراضعَ من مكَّة، فكلَّما عُرِضَ محمدٌ
-صلى الله عليه وسلم- على امرأةٍ منهنَّ رفضت حين تعلم أنَّه يتيمٌ، فأخذت
كلُّ النِّساء من الأطفال مَن أخذت، ولم تجد حليمةُ إلا ذلك اليتيم.
فشاورت زوجها في أن تأخذه، وذلك خيرٌ من أن ترجع بلا رضيعٍ، وعسى الله أن يجعل فيه خيرًا.
وهكذا كان -بفضل الله عز وجل- لما دخلت عليه وهو نائم، ووضعت يدها على صدره استيقظ 
-عليه الصَّلاة والسَّلام- فألقمته ثديها الأيمن، وقد كانت تشتكي من قلَّة اللَّبن فيه، فدرَّ على محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- 
لبنًا غزيرًا، وشرب حتى شبع، وشرب أخوه الذي جاءت به أيضًا حتى شبع.

ثم قام زوجها إلى النَّاقة التي كانوا يشكون أيضًا من عدم لبنها، قالت:
"فإذا بها حافِل، مليئة لبنًا، فحلب لنا فشرب وشربتُ حتى شبعنا، وبتنا بخير ليلةٍ".
إذن الرَّضيعان شربا من حليمة، وحليمة وزوجها شربا من النَّاقة،
وهذا من بركات النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام.

قالت حليمة: "فقال صاحبي -تعني زوجها- تعلمي يا حليمة، والله إني لأراكِ قد أخذتِ نسمةً مباركةً. قلت: والله إني لأرجو ذلك، ثم خرجنا فركبتُ أنا أتاني -أنثى الحمار التي جاءت عليها- وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالرَّكب، ما يقدر عليها شيءٌ من حُمُرهم".

أي أنَّ أنثى الحمار التي كانت تركبها سبقت الحميرَ كلَّها، وما استطاع حمارٌ اللُّحوقَ بها.
قالت: "يقلن لي صواحبي: يا ابنة أبي ذُؤَيْب، ويحكِ! ارفقي علينا، أليست هذه أتانكِ التي كنت خرجتِ عليها؟" أليس هذا هو الحمار الذي كنتِ تركبينه حين جئتِ؟ ما بالها وهي راجعة سبقتنا؟
قالت: "فأقول: بلى والله، إنَّها لهي هي. فيقلن: والله إنَّ لها لشأنًا".




قالت حليمة: "ثم قدمنا منازلنا من بلاد سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها –أي أنَّها أرض قحط- فكانت غنمي تروح عليَّ حين قدمنا به معنا شباعًا". فالغنم -مع أنَّ الأرض جدباء- ترجع شبعةً مليئةً.
قالت: "فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسانٌ قطرةَ لبنٍ، ولا يجدها في ضرعٍ،
حتى كان الحاضرون يقولون لرُعْيَانهم: ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذُؤَيْب". انظروا أين يسرح 
راعي حليمة ويرعى الغنم؟ واسرحوا معه.
قالت: "يقولون: ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذُؤَيْب، 
فتروح أغنامهم جياعًا". أي يسرحون ثم يروحون آخر النهار جياعًا.
قالت: "ما تبضُّ بقطرة لبنٍ، وتروح غنمي شباعًا، فلم نزل 
نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه -أي سنتي الرَّضاع- وفصلته -أي فطمته- وكان يشِبُّ شبابًا لا يشِبُّه الغلمان، فلم يبلغ سنتين حتى كان غلامًا جَفْرًا -أي قويًّا شديدًا".
قالت: "فقدمنا به على أمِّه –أي فطمناه ونُريد إرجاعه- ونحن أحرص شيءٍ على مُكْثِه عندنا؛ لما كنا نرى من بركته، فكلَّمنا أُمَّه وقلتُ لها: لو تركت بُنيَّ عندي حتى يقوى ويشِبَّ أكثر، فإني أخاف عليه وباء مكة".
قالت: "فلم نزل بها حتى ردَّته معنا".




إذن حليمة أرضعت النبيَّ –صلى الله عليه وسلم- سنتين وفطمته، 
ثم رجعت به إلى أمِّه واستأذنتها في أن ترجع به مرةً ثانيةً، وذلك من حرصها عليه لما رأت من بركته -عليه الصَّلاة والسَّلام.

قالت حليمة: "فوالله إنَّه لبعد مَقْدِمِنَا بشهرين أو ثلاثة –أي بعد أن رجعتُ به مرةً ثانيةً بشهرين أو ثلاثة- مع أخيه من الرَّضاعة لفي بَهْمٍ لنا -أي غنم، فهو وأخوه في الرَّضاعة صبيان- خلف البيوت، إذ جاء أخوه يشتدُّ -يركض ويجري- فقال: ذاك أخي القُرشي قد جاءه رجلان عليهما ثيابٌ بِيْضٌ، فأضجعاه وشقَّا بطنه". وهي حادثة شقّ الصَّدر.
قالت: "فخرجتُ أنا وأبوه- أي من الرَّضاعة- نشتدُّ نحوه، فوجدناه قائمًا مُنْتَقَعًا لونه، فاعتنقتُه واعتنقه أبوه، وقال: أي بُني ما شأنك؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثيابٌ بِيَاضٌ، فأضجعاني وشقَّا بطني، ثم استخرجا منه شيئًا لا أدري ما هو، فطرحاه ثم ردَّاه كما كان".
قالت حليمة: "فرجعناه معنا، فقال أبوه: يا حليمة، لقد خشيتُ أن يكون ابني قد أُصيب، فانطلقي بنا نردُّه إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوَّف". أي هيا نُرجعه إلى أهله فذلك أسلم لنا وله.
قالت: "فاحتملناه فقدمنا به على أمِّه. فقالت: ما أقدمَكِ به يا ظِئْرُ -والظِّئْر هي المُرضِعَة- وقد كنتِ حريصةً عليه وعلى مُكْثِه عندك؟" فأنتِ ألحَحْتِ حتى تأخُذيه مني، فلماذا تُرجعيه إليَّ بعد شهرين أو ثلاثة؟
"قلت: قد بلغ الله بابني -أي قد كنتُ أريد أن يكبر، وهو الآن قد كَبِرَ، فهي لا تُريد أن تقول ما حدث- وقضيتُ الذي عليَّ، وتخوَّفتُ الأحداثَ عليه، فأدَّيتُه إليكِ كما تُحِبين. قالت: ما هذا شأنُكِ!" مَن التي تقول؟ آمنة.
قالت: "ما هذا شأنُكِ! فاصدُقِيني خبركِ".
قالت: "فلم تدعني حتى أخبرتها". أي قلتُ لها حصل كذا وكذا.
قالت: "أَفَتَخَوَّفْتِ عليه الشَّيطان؟" فأُمُّه آمنة تقول لحليمة: أنتِ خفتِ عليه من الشَّيطان؟
قالت: "قلتُ: نعم. قالت آمنة: كلا، والله ما للشَّيطان عليه من سبيل، وإنَّ لبُنيَّ لشأنًا، أفلا أُخبركِ يا حليمة بخبره معي؟ قالت: بلى".
قالت آمنة: "رأيت حين حملتُ به أنَّه خرج مني نورٌ أضاء لي قصور بُصْرَى من أرض الشَّام، ثم حملتُ به فوالله ما رأيتُ من حملٍ قطُّ كان أخفَّ عليَّ ولا أيسر منه، ووقع حين ولدتُه وإنَّه لواضِعٌ يديه بالأرض، رافعٌ رأسَه إلى السَّماء. دعيه عنكِ وانطلقي راشِدَةً".
وقد تكررت هذه الحادثة -وهي حادثة شقِّ الصَّدر- مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد المرة الأولى مرةً ثانيةً عند المبعث، ومرةً ثالثةً عند الإسراء والمعرج.
إذن شُقَّ صدره -صلى الله عليه وسلم- ثلاث مراتٍ:
- مرة وهو عند حليمة السَّعدية في بني سعدٍ.
- ومرة عند البعثة.
- ومرة ليلة الإسراء والمعراج.
وهذه المرة ثابتةٌ بالأحاديث الصَّحيحة من رواية الشَّيخين: البخاري ومسلم.
لماذا شُقَّ صدره -عليه الصَّلاة والسَّلام؟




يقول الحافظُ ابنُ حجر -رحمه الله: "أمَّا المرة الأولى -وهو طفلٌ في بني سعدٍ- فكانت لنزع العَلَقَةِ السَّوداء التي هي حظُّ الشَّيطان من كلِّ بشرٍ، فخُلِقَت فيه -صلى الله عليه وسلم- تكمِلةً للخلق الإنساني، ثم إخراجها بعد خلقه كرامةً ربَّانيةً، فهو أدلُّ على مزيد الرِّفعة والكرامة من خلقه بدونها، وبنزعها منه نشأ على أكمل الأحوال من العِصْمَة من الشَّيطان، والاتِّصاف بصفات الرُّجوليَّة من الصِّغر، فلا لهوَ ولا عبثَ، وإنَّما هو الكمال والجدُّ منه -عليه الصَّلاة والسَّلام.
أمَّا المرة الثانية -التي كانت قبل البعثة- فكان ليتلقَّى ما يُوحَى إليه من أمور الرِّسالة بقلبٍ قويٍّ، وهو على أكمل الأحوال، وأتمِّ الاستعداد.

وأمَّا المرة الثالثة -ليلة المعراج- فكانت استعدادًا لما يُلقَى إليه في هذه اللَّيلة من أنواع الفُيُوضَات الإلهيَّة، وما سيُريه ربُّه فيها من الآيات البيِّنات، وإدراك مرام المُثُل الرَّائعة التي ضُرِبَت له في مسراه ومعراجه، وكلّها تحتاج إلى شرح الصَّدر وثبات القلب -صلى الله عليه وسلم".

وهكذا ردَّت حليمةُ النبيَّ -عليه الصَّلاة والسَّلام- إلى أُمِّه بعد حادثة شقِّ الصَّدر الأولى في مبتدأ سنته الخامسة، وقد شبَّ عن الطَّوقِ، وقويَ جسمه، وغلُظَ عودُه، وبلغ من النُّضرة ما لم يبلغه صبيٌّ في مثل عمره، وعاش -عليه الصَّلاة والسَّلام- في كَنَفِ الأم الحنون، وأضحى هو كلَّ شيءٍ في حياتها، إذا ليس هناك ما يشغلها أو يُلهيها عنه.
ودَرَجَ في كفالة جدِّه الشيخ الذي يَحْنُو عليه أكثر من حُنُوِّه على أبنائه، وقد وجد فيه عِوَضًا عن أحبِّ أبنائه إليه -أبوه عبد الله




اسئـــلة الدرس الرابع
س1 :- عندما اخذت حليمة السعدية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اتت اليها العديد من البركات
وضح ذلك مع ذكر أمثلة
س2 :-كم مرة شق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ مع التوضيح ماسبب كل مرة؟
س3 كم كان عمر النبى صلى الله عليه وسلم عندما ردته السيدة حليمة السعدية الى امه؟


منة الكريم
مديرة متخصصة

٢٥‏/٢‏/٢٠١٨ ٢،٤٢ م


((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا))
الدرس الخامس

فلمَّا بلغ -صلى الله عليه وسلم- السَّادسة من عمره ارْتَأَتْ أُمُّه أن تذهب به إلى أخوال جدِّه عبد المطلب بالمدينة من بني النَّجار للزِّيارة؛ ليرى مكانةَ هؤلاء الأخوال الكرام، وقد كان لهذه الخُؤُولَة اعتبارها لمَّا هاجر فيما بعد إلى المدينة،
وليقضي حقَّ الحبيب المُغَيَّب في تراب المدينة -وهو أبوه عبد الله-

وأغلب الظَّنِّ أنَّ آمنةَ قد حدَّثت ابنَها بقصة أبيه، وكيف ذهب للتِّجارة إلى الشَّام؟ وكيف مات في المدينة؟
وخرجت الأمُّ والابنُ ومعهما أمُّ أيمن -بركة الحبشيَّة جارية أبيه
حتى وصلوا إلى المدينة، وكان المقامُ في دار النَّابغة من بني النَّجار،
ومكثوا عندهم شهرًا، وزاروا الحبيبَ الثَّاوِيَ في قبره،
وحرَّكت الزِّيارةُ لوعةَ الشَّوق والأحزان في نفس الأم والابن،
وانطبع معنى اليُتْم في نفس النبي –صلى الله عليه وسلم- بعد أن كان لاهيًا عنه، وذلك حين زار قبر أبيه وتذكَّره.




وبعد أن قضوا حاجتهم عادوا إلى مكَّة، وفي الطَّريق بين مكَّة والمدينة مرضت الأمُّ واشتدَّ عليها المرضُ، وماتت ودُفِنَت بالطَّريق بين مكة والمدينة، فدُفِنَت بقرية الأَبْوَاء،
وهكذا فقد النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أمَّه وهو في السنة السَّادسة من عُمُره،
وكان قد فَقَدَ قبلُ أباه وهو جنينٌ في بطن أمِّه، فعاش -صلى الله عليه وسلم- يتيمَ الأبوين؛
فمات أبوه وهو جنينٌ، وماتت أمُّه وهو في السَّادسة من عمره.




{فضيلة الشيخ، ما الحكمة من نشأة النبي -صلى الله عليه وسلم- يتيمًا؟}

نعم، قد يقول قائلٌ: ربما لو عاش عبدُ الله بن عبد المطلب والد النبي
-عليه الصَّلاة والسَّلام- حتى بُعِثَ فربما آزره، ووقف بجواره، وحماه،
وساعده على نشر الدَّعوة، وتبليغ الرِّسالة، وغير ذلك، كما هو دائمًا موقف الآباء.




لكن الله -سبحانه وتعالى- أراد أن يموت الأبُ والنبي –صلى الله عليه وسلم-
جنينٌ في بطن أمِّه، وأن تموت أمُّه وهو في السَّادسة من عمره،
والله قد وصف نفسَه بأنَّه العليم الحكيم، فكلُّ شيءٍ يجري بتقدير الله تعالى ومشيئته على وَفْقِ حكمته -سبحانه وتعالى.
فأراد الله سبحانه أن ينشأ رسولُه –صلى الله عليه وسلم- يتيمًا،
تتولاه عنايةُ الله وحدها، بعيدًا عن الذِّراع التي تُمْعِنُ في تدليله،
والمال الذي يزيد في تنعيمه؛ حتى لا تميل به نفسُه إلى
مجد المال والجاه، وحتى لا يتأثَّر بما حوله من معنى
الصَّدارة والزَّعامة؛ فتلتبس على الناس قداسةُ النُّبوة بجاه الدنيا
وحتى لا يحسِبُوه يَصْطَنِعُ الأوَّلَ ابتغاء الوصول إلى الثاني.
وكانت المصائِبُ التي أصابت النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-
منذ طُفولته -كموت أمِّه، ثم جدِّه، بعد أن حُرِمَ عطف الأب
وذاق كأسَ الحزن مرةً بعد مرَّةٍ- قد جعلته رقيقَ القلب، مُرْهَفَ الشُّعور.
فالأحزان تصهر النُّفوسَ، وتُخلِّصها من أدران القسوة والكِبْر والغُرور،
وتجعلها أكثر رقَّةً وتواضعًا.

وليست وفاةُ والديه في العشرينيَّات من حياتهما ناشئةً
عن هُزَالِهِما وضعف بِنْيَتِهما، ولم يكن -صلى الله عليه وسلم-
أبدًا سليلَ أبوين سَقِيمَين، وإنَّما توفَّاهما اللهُ بعد أن قاما بالمهمَّة التي وُجِدَا من أجلها؛ ليتأسَّى بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- كلُّ مَن فقد والديه أو أحدَهما وهو صغيرٌ.
أي أنَّه حين يجد ولدٌ أنَّ والده قد مات فإنَّه يقول: لا مشكلة، فأبو النبي –صلى الله عليه وسلم- قد مات وهو جنينٌ.




وحين تموت أُمُّه يقول: أمُّ النبي –صلى الله عليه وسلم- ماتت وهو صغير.
وليكون أدبُه وخُلُقُه مع يُتْمِه دليلًا على أنَّ الله تعالى هو الذي تولَّى تربيته وتأديبه.

هذا الكمال في الأخلاق والأدب لم يتلقَّاه النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- عن أبوين، وإنَّما أدَّبه ربُّه فأحسن تأديبه، حتى ينشأ قويَّ الإرادة، ماضِيَ العزيمة، غير مُعتَمِدٍ على أحدٍ في شُؤونه، وحتى لا يكون لأبويه أيُّ أثرٍ في دعوته، وحتى لا تتدخل يدُ البشريَّة في تربيته وتوجِيهه، فيكون الله -سبحانه وتعالى- هو الذي يتولى تربيته، ولا يتلقَّن من مفاهيم الجاهليَّة وأعرافها شيئًا، إنَّما يتلقَّن من لدن الحكيم الخبير.
فالله -سبحانه وتعالى- آواه، وسخَّر له جدَّه وعمَّه لتهيئة الجانب المادي، بينما كانت التربيةُ النَّفسيَّةُ والخُلُقيَّة والفكريَّة تعهُّدًا ربانيًّا ورعايةً إلهيَّة.

وعاد النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة بعد أن دفن أمَّه بالأبواء -بين مكة والمدينة- مع أمِّ أيمن بركة الحبشيَّة، فكفله جدُّه عبد المطلب، وضمَّه إليه، ورقَّ عليه رقَّةً لم يرقَّها على ولده.
وكان يُقرِّبه منه ويُدْنِيه ويُدْخِله عليه إذا خلا وإذا نام، وكان عبدُ المطلب لا يأكل طعامًا إلا ويقول: أين ابني؟ هاتوا ابني. فيُؤتَى به إليه.
وبذلك عَوَّض اللهُ محمدًا عن أبويه بحنان جدِّه، وكانت حاضِنَتُه بعد وفاة أمِّه أم أيمن.

وكان النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- بعد أن كبر يعرف لأمِّ أيمن فضلها، ويقول: «هَذِهِ أُمِّي بَعْدَ أُمِّي».
وكان الجدُّ يُسَرُّ حين يرى من مخايل الشَّرف والعِزَّة على حفيده محمد -صلى الله عليه وسلم- فقد كان لعبد المطلب فراشٌ يُوضَع في ظلِّ الكعبة، وكان بنو عبد المطلب يجلسون حول فراشه حتى يخرجَ إليه، لا يجلس عليه أحدٌ من بَنِيهِ؛ إجلالًا لأبيهم وإكبارًا.
فكان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يأتي وهو غلامٌ يافِعٌ فيجلس على فراش جدِّه، فيأخذه أعمامُه ليُؤخِّروه، فيقول عبدُ المطلب والغِبْطَة تملأ نفسَه: "دعوا ابني، فوالله إنَّ له لشأنًا"، ثم يُجلِسه معه على فراشه، ويمسح ظهرَه بيمينه، ويضُمُّه إليه.
ولم يلبث كثيرًا حتى مات جدُّه أيضًا.




فلمَّا حضرت عبدَ المطلب الوفاةُ أوصى ابنَه أبا طالب بكفالة النبي –صلى الله عليه وسلم- وحِيَاطَته، ثم مات عبدُ المطلب ودُفِن بمكة، والنبي –صلى الله عليه وسلم- ابن ثمان سنين.

فكفله عمُّه أبو طالب، ولم يكن أبو طالب بأكبر بني عبد المطلب، ولا بأكثرهم مالًا، ولكنَّه كان أشرفَ قريشٍ، وأعظمَها مكانةً، وأكرمَها نفسًا.
وقد أحبَّ أبو طالب ابنَ أخيه محمدًا حبًّا شديدًا لا يُحبُّه أحدًا من ولده، فكان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه.
وشبَّ -عليه الصَّلاة والسَّلام- شبابًا مُباركًا.

وكان أبو طالب يخصُّه بالطَّعام، وكان إذا أكل عيالُ أبي طالبٍ جميعًًا أو فُرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- شبعوا.
فكان إذا أراد أن يُؤَكِلَهُم قال: "كما أنتم حتى يأتي ولدي"، فيأتي النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- فيأكل معهم، فكانوا يُفضِلون من طعامهم، فيعجب أبو طالب ويقول: "إنَّك لمباركٌ".

وهكذا كانت بركةُ النبي –صلى الله عليه وسلم- مع حليمة، وبركته مع عمِّه.

وكان الصِّبيانُ يُصبِحون رُمْصًا شُعْثًا، ويُصبِح محمدٌ دَهِينًا كَحِيلًا.
وقد زاده حبًّا في نفسه ما كان يتحلَّى به النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- في صباه من طيب الشَّمائل، وكريم الآداب في هيئة الأكل والشُّرب والجلوس والكلام، مما يَعِزُّ وجودُه في هذا السنِّ بين الصِّبيان، ويدلُّ على أنَّ الله سبحانه فطره منذ صغره على أفضل الخِلَال وأحسن الآداب -صلى الله عليه وسلم.




فلمَّا شبَّ -صلى الله عليه وسلم- ابتدأ العملَ والكفاحَ والسَّعي في طلب الرِّزق وكسب المال، وهكذا ينبغي أن يكون أبناؤُنا –صبياننا- فضلًا عن شبابنا، فإذا شبَّ الولدُ عن الطَّوق وصارت له قوَّة؛ ينبغي أن يشتغل بالعمل ليكسب، ولا يكون عالةً على أبيه وأهله.

فاشتغل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في صباه برعي الغنم، فرعاها لأهله، ورعاها لبعض أهل مكة، وبذلك ضرب مثلًا عاليًا منذ صِغَرِه في كسب الرِّزق بالكَدِّ والتَّعَب، فأحسنُ لقمةٍ يأكلها الإنسانُ لقمة يكسبها بيده، وأحسن مالٍ يكسبه الإنسانُ أو يَحُوزُه مالٌ كسبه بعرقه وكفاحه وجَهده.

وكان -عليه الصَّلاة والسَّلام- يذكر ذلك في كِبَرِه وهو مُغْتَبِطٌ مَسرُورٌ، يقول: «مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ»، فيقول أصحابُه: وأنت؟ فيقول: «نَعَمْ، وَأَنَا، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ».




ما الحكمة أو الفائدة من كون النبي قبل النُّبوة يرعى الغنم؟
الحكمة في رعي الأنبياء الغنمَ قبل النُّبوة: أن يحصل لهم بالتَّمَرُّن والتَّعوُّد على رعاية الغنم القُدرة على رعاية الأمم، فالرَّاعي يمشي خلف الغنم، فإذا ذهبت واحدةٌ منها بعيدًا عن القَطِيع يردّها، فيجمع شملَ الغنم، ويمنعها من الخلاف والفِرَاق، والشُّذوذ، وغير ذلك.

فالحكمة في رعي الأنبياء الغنم قبل النُّبوة: أن يتمَرَّنوا ويتدرَّبوا على رعاية أُمَمِهم، والقيام بشُؤونهم، إذ في رَعْيِهَا ما يحصل لهم به الحلم والشَّفقة والرَّحمة، ويُعَوِّدهم من الصِّغر الصَّبر، وطول البال، والأناة، والتَّرَيُّث، وزجر الباغي، وجبر كسر الضَّعيف، ويُربِّي فيهم مَلَكَةَ الحرص على المصلحة، ودفع المَضَرَّة، وحُسن التَّعاون، والرِّفق بمَن تحت أيديهم، والسَّهر على مصلحتهم.

هذا إلى ما في رعي الغنم من قضاء نهاره وبعض ليله في البادية؛ فيتمتع بالسَّماء الصَّافية، والشَّمس المُشرقة، والهواء النَّقِي، ويُطِيل التَّأمُّل والنَّظر في السَّماء ذات الأبراج، والأرض ذات الفِجَاج، والجبال ذات الألوان، وبذلك يصير التَّأمُّل والتَّدبُّر مَلَكَةً من ملكات النفس.

وقد أمر الله تعالى بالنَّظر إلى هذه المخلوقات: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ
خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾
.



ولما بلغت سِنُّه -صلى الله عليه وسلم- عشرةً؛ خرج عمُّه أبو طالب
في تجارةٍ له إلى الشَّام، فتعلَّقت نفسُ ابن أخيه به،
ورَغِبَ في مُصاحبته؛ فَرَقَّ له عمُّه فأخذه معه واستصحبه إلى الشَّام، حتى وصل الرَّكْبُ إلى بُصْرَى من بلاد الشَّام، وكان بها راهبٌ عنده علمٌ بالكتب السَّماوية السَّابقة، وقد علم ذلك الرَّاهِبُ من الكتب السَّماوية أنَّ مبعثَ نبي آخر الزَّمان قد اقترب، وأنَّ هذا النبي من العرب.

وقد جُذِبَ انتباه ذلك الرَّاهِب إلى القافلة -قافلة أبي طالب وهي آتية- فجعل الرَّاهِبُ ينظر من بعيدٍ إلى القافلة ويُرَاقِبها، فلفت نظره أنَّه رأى غمَامَةً -سحابة- تُظلل شخصًا واحدًا من الرَّكْب، فصنع لهم طعامًا على غير عادته، ودعاهم إليه.

وهنا تختلف الرِّوايات:
ففي بعضها: أنَّهم حضروا بما فيهم النبي –صلى الله عليه وسلم.
وفي بعضها: أنَّهم حضروا جميعًا وتركوا النبيَّ –صلى الله عليه وسلم-
في رحالهم تحت شجرةٍ قريبةٍ.
فلمَّا حضروا تفرَّس فيهم الرَّاهِبُ فلم يجد صاحبَ الصِّفة التي يعرفها، فرغب في حضوره؛ فأحضروه.
فلمَّا حضر صار يتفرَّس فيه، ويتعرَّف على بعض صفاته، ثم تحايل عليه حتى يرى خاتم النُّبوة بين كتفيه -عليه الصَّلاة والسَّلام- على الصِّفة التي قرأها في كتبهم، فأقبل ذلك الرَّاهِبُ على أبي طالبٍ -بعدما تفرَّس في النبيِّ وعرف أنَّ الصِّفات التي تدلُّ على نبوة آخر الزمان موجودةٌ فيه- فقال: ما هذا الغلام منك؟ أي ما صلته بك؟
قال: ابني.

قال الرَّاهِبُ: ما هو بابنك، وما ينبغي أن يكون أبوه حيًّا.
إذن هم درسوا في الكتب أنَّ نبي آخر الزمان سيكون يتيمًا.
قال: ما ينبغي أن يكون أبوه حيًّا.
قال أبو طالب: فإنَّه ابن أخي.
قال: فما فعل أبوه؟
قال: مات وأُمُّه حُبْلَى به.
قال: صدقتَ، فارجع -هذا كلام الرَّاهِب لأبي طالب- بابن أخيك إلى بلدك، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا ما عرفتُ ليُؤذونه، وليقتلونه، فإنَّه كائِنٌ لابن أخيك هذا شأنٌ عظيمٌ.
وما فرغ أبو طالبٍ من بيعه حتى عاد مُسرعًا بابن أخيه إلى مكة، وقد اشتدَّ حرصًا عليه وحُبًّا له.




اسئـــلة الدرس الخامس

1-"هذه أمى بعد أمى" لمن كان يقولها صلى الله عليه وسلم?
2-كم كان عمر النبى صلى الله عليه وسلم حينما توفيت أمه آمنة بنت وهب ؟
3-ما الحكمة ان ينشأ النبى صلى الله عليه وسلم يتيما؟
4-ما الحكمة أو الفائدة من كون النبي قبل النُّبوة يرعى الغنم؟
5- كم كان عمر النبى صلى الله عليه وسلم عندما سافر مع عمه للتجارة؟


واخيرا لا تنسو الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم وتجديد النية
احبكن فى الله

منة الكريم
مديرة متخصصة

٧‏/٣‏/٢٠١٨ ٦،٤٧ م

((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا))

الدرس السادس

وفي مكة أقامت قريش حِلْفًا عُرِفَ باسم "حِلْف الفُضُول"، وكان هذا الحِلْفُ أكرمَ وأفضلَ ما تعاهدت عليه العربُ في الجاهلية.

وكان سببه: أنَّ رجلًا من قبيلة زُبَيدٍ باليمن قدم مكة ببضاعةٍ، فاشتراها منه العاصُ بن وائل السَّهْمِي، وأبى أن يُعطيه حقَّه، فاستعدى عليه الزُّبيديُّ الأحلافَ: عبد الدَّار، ومخزُومًا، وجُمَحًا، وسهمًا، وعدي بن كعبٍ؛ فأبوا أن يُعينوه على العاص بن وائل وانتهروه.

فلمَّا رأى الزُّبيدي الشرَّ صَعِدَ على جبل أبي قُبَيصٍ عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم حول الكعبة، وناداهم واستصرخهم، واستغاث بهم، فقام الزُّبير بن عبد المطلب فقال: مالِ هذا؟ لا نتركه أبدًا.

فاجتمعت بنو هاشم، وزُهرة، وبنو تيم بن مُرَّة في دار عبد الله بن جُدْعَان، فصنع لهم طعامًا، وتحالفوا في شهرٍ حرامٍ -وهو ذو القعدة- فتعاقدوا وتحالفوا بالله ليكونُنَّ يدًا واحدةً مع المظلوم على الظالم حتى يُردَّ إليه حقّه، ما بلَّ بحرٌ صُوفَة، وما بقي جبلا: ثَبِير وحِرَاء مكانهما.

فسمَّت قريش هذا الحِلْف "حِلْف الفَضُول"، وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضلٍ من الأمر.

ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعةَ الزُّبيدي فدفعوها إليه.





وقيل: إنَّما سُمِّي حلف الفضول لأنَّه أشبه حِلْفًا تحالفته جُرْهُم على هذا، من نصر المظلوم، وردع الظالم.

وكان قد دُعِيَ إليه ثلاثةٌ من أشرافهم اسم كلِّ واحدٍ منهم "فضل": الفضل بن فَضَالَة، والفضل بن وَدَاعَة، والفضل بن الحارث.

وقال بعضُهم: الفضل بن شُرَاعَة، والفضل بن بُضَاعَة، والفضل بن قُضَاعَة.

وقد حضر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- هذا الحِلْفَ الذي رفعوا به منارَ الحقِّ، وهدموا صرحَ الظُّلم.

ويُعتبر من مفاخِر العرب، وعِرفانهم لحقوق الإنسان.





وكان في هذا الحِلْفِ الذي حضره النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- من الدُّروس والعِبَر الكثير، منها:

1- أنَّ العدل قيمةٌ مُطلقةٌ، وليست نِسْبِيَّةً، وأنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- يُظْهِر اعتزازه بالمشاركة في تعزيز مبدأ العدل قبل بعثته بعقدين.

فالقيم الإيجابيَّة تستحقُّ الإشادة بها، حتى لو صدرت من أهل الجاهليَّة.

وكان هذا الحِلْفُ واحةً في ظلام الجاهلية، وفيه دلالة بيِّنةٌ على أنَّ شُيوع الفساد في نظامٍ أو مجتمعٍ لا يعني خُلُوّه من أيِّ فضيلةٍ، فمكة مجتمعٌ جاهليٌّ، هيمنت عليه عبادةُ الأوثان والمظالم، والأخلاق الذَّميمة -كالظُّلم والزِّنى والرِّبا- ومع هذا كان فيه رجالٌ أصحاب نَخْوَةٍ ومُرُوءَةٍ يكرهون الظُّلمَ ولا يُقِرُّونه.

وفي هذا درسٌ عظيمٌ للدُّعاة في مُجتمعاتهم التي لا تُحَكِّم الإسلامَ، أو يُحَارَبُ الإسلامُ فيها.

2- كذلك من دروس هذا: أنَّ الظُّلمَ مرفُوضٌ بأيِّ صورةٍ كانت، ولا يُشترط الوقوف ضدّ الظَّالمين فقط عندما ينالُون من الدُّعاة إلى الله؛ بل إنَّ مُواجهةَ الظَّالمين قائمةٌ ولو وقع الظُّلمُ على أقلِّ الناس، فإنَّ الإسلام يُحارِب الظُّلمَ، ويقف بجانب المظلوم دون النَّظر إلى لونه ودينه ووطنه وجنسه.

3- كذلك من الدُّروس التي نأخذها من هذا: جواز التَّحالُف والتَّعاهُد على فعل الخير، وهي من قبيل التَّعاون المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾[المائدة: 2].

4- ومن الدُّروس المُستفادة: أنَّ المسلمَ لا يكون في مجتمعه سلبيًّا؛ بل يجب أن يكون إيجابيًّا فاعلًا، يُؤدِّي دوره في المجتمع، ويُحقق العدلَ والمُساواةَ لكلِّ النَّاس في مجتمعه.





وقد تاجر النبيُّ -عليه الصَّلاة والسَّلام- فيما تاجر بعد ذلك لخديجة -رضي الله عنها- بمالها، وكانت هذه التِّجارة سببًا في زواجه -صلى الله عليه وسلم- من خديجة.

كانت خديجةُ -رضي الله عنها- امرأةً حازمةً شريفةً، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهي يومئذٍ أوسط قريشًا نسبًا، وأعظمهم شرفًا، وأكثرهم مالًا، وكلُّ قومها كان حريصًا على نكاحها لو قدر على ذلك، وقد طلبوها وبذلوا لها الأموالَ، فأبت حتى تعرض نفسَها على ذلك المُبارك محمد -صلى الله عليه وسلم.

فبعثت خديجةُ إحدى النِّساء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تعرضها عليه، فوافق -عليه الصَّلاة والسَّلام- واصطحب عمَّه أبا طالب وبعضَ الأشراف من مكَّة وذهبوا إلى خطبة خديجة -رضي الله عنها.

وتقدَّم أبو طالبٍ إلى ولي أمرها وخطبها منه بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وذكر من شرف محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- ما ذكر، وكان فيما قال: "إنَّ محمدًا لا يُوزَن به رجلٌ من قريشٍ شرفًا ونُبلًا وفضلًا إلا رجح به، وهو إن كان في المال قليلًا؛ فإنَّ المال ظِلٌّ زائِلٌ، وأمرٌ حائِلٌ، وعاريةٌ مُسْتَرْجَعَةٌ، ومحمد مَنْ عرفتم قرابته، وهو والله بعد هذا له نبأٌ عظيمٌ، وخطرٌ جليلٌ جسيمٌ، وله في خديجة بنت خُوَيْلِد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصَّداق فعليَّ".

وأمهرها أبو طالب اثنتي عشرة أوقيَّة، أي خمسمئة درهم، وأصدقها رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم- زيادةً على ذلك عشرين ناقةً.

وبنى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بخديجة، وأَوْلَمَ عليها، فنحر جزورًا أو جزورين، وأطعم الناسَ، وأمرت خديجةُ جواريها أن يُغنين ويضربن بالدُّفوف، كما هو الرُّخصة في الأفراح والأعراس، فيُرخَّص للنِّساء في ضرب الدُّفِّ والغناء بالكلام الحسن الجميل المباح.

وكان عمرُ النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الزَّواج خمسًا وعشرين سنةً، وكان عمر خديجة أربعين عامًا، فهي أكبر منه بخمسة عشر عامًا.

وقد نَعِمَت خديجةُ بهذا الزَّواج المبارك الذي لم تعرف له الدنيا مثيلًا في تاريخ الأزواج، ونَعِم النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- أيضًا بهذا الزَّواج الميمون المبارك، فقد كانت خديجةُ حازمةً عاقلةً، طاهرةً، عَرُوبًا لزوجها، وواست النبيَّ –صلى الله عليه وسلم- بالنَّفس والمال، ورزقه الله -سبحانه وتعالى- منها البنين والبنات، فولدت له القاسم وعبد الله.

وقيل: الطَّيب.

وقيل زيادة: الطَّاهر.

وولدت له: زينب، ورُقيَّة، وأم كلثوم، وفاطمة.

أمَّا الذُّكور فماتوا جميعًا صِغَارًا، وأمَّا الإناث فقد عِشْنَ حتى تزوَّجنَ، وكلُّهنَّ تُوفِّيت في حياة أبيها إلا فاطمة -رضي الله عنها- فقد عاشت بعده -صلى الله عليه وسلم- ستة أشهر، كما هو مشهورٌ من سيرتها -رضي الله عنها.





ونحن نعلم أنَّ خديجة -رضي الله عنها- كانت مُتزوِّجةً قبل النبي –صلى الله عليه وسلم- برجلين، وكانت قد أنجبت من كلا الرَّجلين، وكانت تكبره بخمسة عشر عامًا، ومعنى ذلك: أنَّ النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يكن رجلًا شهوانيًّا كما يزعم المُستشرقون -أعداء النبي وأعداء الإسلام والمسلمين- ويطعنون في كثرة الزَّواج، ويقولون أنَّه كان رجلًا شهوانيًّا.

نقول: كيف يكون رجلًا شهوانِيًّا وأول مَن تزوَّجها في شبابه كانت امرأةً تكبره بخمسة عشر سنة، وليست بكرًا؛ بل تزوَّجت قبله مرتين؟!

مع علمنا بأنَّ النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- لم يتزوج على خديجة في حياتها، ومعنى ذلك أنَّه لم يُعَدِّد ويتزوَّج غيرَها إلا بعد خمسين سنةً، وبعد وفاتها، ولم يكن هذا التَّعدُّد إلا لحِكَمٍ أرادها ربُّ العالمين -سبحانه وتعالى- ولعلنا نتمكَّن من ذكر هذه الحِكَم من زواج النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- وتعدد نسائه -رضي الله عنهن جميعًا.




اسئـــلة الدرس السادس

اذكر الدروس المستفادة من حلف الفضول؟
كم كان عمر النبى صلى الله عليه وسلم عندما تزوج من السيدة خديجة رضى الله عنها؟
لخص قصة زواج النبى صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة رضى الله عنه؟


منة الكريم
مديرة متخصصة

١٥‏/٣‏/٢٠١٨ ١١،٣٥ ص


(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا))
الدرس السابع:
...

ولمَّا بلغ -صلى الله عليه وسلم- خمسًا وثلاثين سنةً جاء سيلٌ عارمٌ فصدع جُدرانَ الكعبة،
وأوهَن أساسها، وكان قد أصابها من قبل حريقٌ بسبب امرأةٍ كانت تُجَمِّرها، فأرادت قريشٌ هدمها،
ولكنَّهم تهيَّبوا ذلك لمكانتها في قلوبهم، وخوَّفهم بعضُهم أن يُصيبهم الأذى.

ثم إنَّهم عزموا على بنائها، وهدموها وبنوها، وحين أرادوا أن يضعوا الحجرَ الأسودَ في مكانه اختلفت القبائلُ: أيُّ قبيلةٍ تتشرف بوضع الحجر الأسود في مكانه فتذهب بذلك الشَّرف إلى ما لا نهاية، إلى أن تقوم السَّاعة؟

فاختلفت القبائلُ فيمَن يتشرف بذلك، فأبت كلُّ قبيلةٍ أن تتنازل، فاختلفوا وتنازعوا حتى كادوا أن يقتتلوا، فأُلْهِمَ بعضُهم أن يقول: لا نختلف ونتحاكم إلى أول داخلٍ علينا. فكان أوَّلُ داخلٍ هو محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم.

فلمَّا رأوه أشخصوا أبصارهم إليه، واشرأبَّت الأعناقُ إليه، وقالوا: هذا الأمين رضيناه، هذا محمد، رضينا بحكم محمدٍ بيننا.

فقصُّوا عليه الخبرَ، ففكَّر -عليه الصَّلاة والسَّلام- ثم لم يلبث إلا قليلًا حتى بسط رداءَه على الأرض،
وأخذ الحجرَ فوضعه في وسط الرِّداء، ثم قال: لتأخذ كلُّ قبيلةٍ بطرفٍ من الرِّداء، وحملوا الحجرَ في الرِّداء
حتى رفعوه، فلمَّا وصلوا إلى مستوى وضعه أخذه -عليه الصَّلاة والسَّلام- بيده المباركة ووضعه
موضعه وبنى عليه، وبهذا وقى اللهُ تعالى قريشًا شرَّ حربٍ ربما أفنتهم.

وقد ازداد النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- بهذا منزلةً فوق منزلته، وقدرًا إلى قدره،
وأصبح حديثَ العرب في كلِّ نادٍ ومجلسٍ -عليه الصَّلاة والسَّلام.
وهكذا رأينا شيئًا من صور حياة النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قبل بعثته.




فلمَّا اقترب -عليه الصَّلاة والسَّلام- من سِنِّ الأربعين حُبِّبَ إليه الخلاءُ،
فكان -عليه الصَّلاة والسَّلام- يذهب إلى غار حِرَاء -كما تعلمون- يتعبَّد فيه، فيخلو بنفسه ويعتزل الناسَ،
ويتفكَّر في ملكوت السَّماوات والأرض، ويتعبَّد اللَّيالي ذوات العدد، حتى إذا نَفِدَ زادُه نزل إلى خديجةَ فزَوَّدته فرجع إلى الغار.
وكانت هذه هي بداية الاستعداد لتلقِّي الوحي والنُّبوة التي اختارها اللهُ -سبحانه وتعالى- لنبيه -عليه الصَّلاة والسَّلام.


ولندع أُمَّنا عائشة -رضي الله تعالى عنها- تُحدِّثنا عن الوحي وبدايته وصوره وأنواعه كما في البخاري
وغيره من كتب السُّنن والمسانيد.
عن عائشة -رضي الله عنها قالت: "أول ما بُدِءَ به رسولُ الله
-صلى الله عليه وسلم- من الوحي الرُّؤيا الصَّالحة في النَّوم،
فكان لا يرى رُؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَقِ الصُّبْح، ثم حُبِّبَ إليه الخَلاءُ؛
فكان يخلو بغار حِرَاء، فيَتَحَنَّث فيه -والتَّحَنُّث التَّعبُّد- اللَّيالي
ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوَّد لذلك".

أي أنَّه كان إذا أراد أن يدخل الغارَ -غار حِرَاء في قمة الجبل-
ويعتزل الناسَ يأخذ معه ما يحتاجه من الطَّعام والشَّراب.

قالت: "ثم يرجع إلى خديجةَ فيتزوَّد لمثلها، حتى جاءه الحقُّ وهو في غار حِرَاء، فجاءه الملكُ فقال:
«اقْرَأْ». قال: «قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ». قال: «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، قَالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ». قال: «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾

».
فرجع بها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يرجف فؤادُه، فدخل على خديجة بنت خُوَيلِد،
فقال: «زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي». أي غطُّوني غطُّوني، فزَمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوعُ.
فقال لخديجة وأخبرها الخبرَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي».


فبعد أن حكى لها ما حدث قال: أنا خائفٌ على نفسي يا خديجة.
فقالت خديجةُ -رضي الله عنها: "كلا -لا تخف- والله ما يُخزيك اللهُ أبدًا".

فهي تحلف بكلِّ ثقةٍ أنَّ الله لا يُخْزِي نبيَّه. لماذا هذه الثِّقة؟
لما رأت فيه من الصِّفات ومكارم الأخلاق، وما كان اللهُ ليُخزي مثلَ هذا الذي جمع هذه الشَّمائل،
وهذه المناقب، وهذه الفضائل، وهذه الأخلاق الكريمة.
قالت: "والله ما يُخْزِيكَ اللهُ أبدًا -لماذا؟- إنَّك لتَصِل الرَّحِمَ، وتَحْمِل الكَلَّ، وتكسِب المَعْدُومَ،
وتُكْرِم الضَّيفَ، وتُعِين على نَوَائِب الحقِّ".


فانطلقت به خديجةُ حتى أتت به ورقةَ بن نَوفَل بن أسد بن عبد العُزَّى ابن عم خديجة، وكان امرأً تنصَّر في الجاهلية،

وكان يكتب الكتابَ العربي، فيكتب الإنجيلَ بالعربيَّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ.
فقالت له خديجةُ: "يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك".
فقال له ورقة: "يا ابن أخي، ما ترى؟"
فأخبره رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- خبرَ ما رأى.
فقال ورقةُ: "هذا النَّامُوس الذي نزَّل اللهُ على موسى،
يا ليتني فيها جَذعًا -ليتني أكون حيًّا- إذ يُخْرِجُك قومُك".

يا ليت عُمري يمتدُّ وأعيشُ حتى يُجبِرُك قومُك على الخروج من مكَّة.

فقال: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟» لماذا سيُخرجونني من مكَّة؟
قال: "نعم، لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثل ما جئتَ به إلا عُودِي، وإن يُدركني يومُك أنصرك نصرًا مُؤزَّرًا".

تقول عائشةُ –رضي الله عنها: "ولكن لم يَنْشَبْ ورقةُ أن تُوفي وفَتَرَ الوحيُ".




هكذا حدَّثتنا أمُّنا عائشة -رضي الله عنها- عن بدايات الوحي وأنواعه.
وحين نتأمَّل حديثَها -رضي الله عنها- نستنتج قضايا مُهمَّة تتعلَّق بسيرة الحبيب المُصطفى -صلى الله عليه وسلم- من أهمِّها:

أولًا: الرُّؤيا الصَّالحة: ففي حديثها -رضي الله عنها- قالت: "أول ما بُدِءَ به محمد -صلى الله عليه وسلم- من الوحي: الرُّؤيا الصَّالحة".
وتُسمَّى أحيانًا بالرُّؤيا الصَّادقة.
والمُراد بالرُّؤيا: رؤيا جميلة، ينشرح لها الصَّدرُ، وتزكو بها الروحُ.

ولعلَّ الحكمةَ من ابتداء الله تعالى رسولَه -صلى الله عليه وسلم- بالوحي بالمنام: أنَّه لو لم يَبْتَدِئْهُ بالرُّؤيا وأتاه الملكُ فجأةً ولم يسبق له أن رأى ملكًا من قبل؛ فقد يُصيبه شيءٌ من الفزع؛ فلا يستطيع أن يتلقَّى منه شيئًا، لذلك اقتضت حكمةُ الله تعالى أن يأتيه الوحي أولًا في المنام؛ ليتدرَّب عليه ويعتاده.

والرُّؤيا الصَّادقة الصَّالحة جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوة،
كما في الحديث عنه -عليه الصَّلاة والسَّلام.
وقد ذكر غيرُ واحدٍ أنَّ مدَّة الرُّؤيا الصَّالحة كانت ستَّة أشهرٍ،
والرُّؤيا الصَّالحة من المُبَشِّرات كما قال -عليه الصَّلاة والسَّلام.

ثم حُبِّبَ إليه الخَلاءُ، فكان يخلو بغار حِرَاء فيتَحَنَّث فيه -أي يتعبَّد- وقد اختلف العلماءُ في صفة تعبُّده -عليه الصَّلاة والسَّلام- كيف كان يتعبَّد؟ وبأيِّ شريعةٍ كان يتعبَّد؟
فقال بعضُهم: كانت العبادة: التَّأمُّل والتَّفكُّر في ملكوت السَّماوات والأرض،
والتَّفكُّر عبادة دعانا اللهُ -عز وجل- إليها.
وقال بعضُهم: كان -عليه الصَّلاة والسَّلام- يتعبَّد الله -عز وجل- بشريعةٍ من شرائع إبراهيم -عليه الصَّلاة والسَّلام.


فكانت هذه الخَلْوةُ التي حُبِّبت إلى نفس النبي -صلى الله عليه وسلم- لونًا من ألوان الإعداد الخاصّ، وتصفيةً للنَّفس من علائق المادة البشريَّة،
إلى جانب تعهُّده الخاصّ بالتربية الإلهيَّة، والتَّأديب الرَّباني في جميع أحواله.

ولذلك استحبَّ بعضُ المُربِّين والمُرشدين للمُرِيد والطَّالب أن يحرص على هذه الخَلْوة، وأن ينفرد بنفسه،
وأن ينعزل عن الناس أحيانًا،

ففي العُزلة من الفوائد الكثير والكثير، ومنها:
أن يتعوَّد الإنسانُ على الأُنْس بالله -عز وجل.
ولذلك كان -عليه الصَّلاة والسَّلام- لا يترك هذه الخَلْوة بعد ذلك، فكان يعتكف في كلِّ
رمضان العشرة الأواخر؛ ليتعوَّد الأُنْس بالله -عز وجل.

فينبغي لطالب العلم وللعابد ولكلِّ مسلمٍ أن يجعل من ساعات يومه ساعةً للخَلْوة،
فلا تكن حياتُك كلُّها خُلْطَةً، فتختلط بالناس طوال اليوم،
بل حاول أن تجعل ساعةً تكون لك فيها عُزلة وانفراد بنفسك،
تُحاسِب نفسَك على ما قدَّمَتْ وأخَّرَتْ، وتنظر في أوقاتك، وتتأمَّل في ملكوت
ربِّك، وتتعوَّد الأُنْس بالله -سبحانه وتعالى-
حتى إذا أسلمك أهلُك للقبر وحدك وتركوك تأنس بالله -عز وجل- كما تعوَّدت أن تأنس به في حياتك وأنت حيٌّ قبل مماتك.
فالخَلْوة -أيُّها الأحبَّة- والعُزلة فيها فوائد كثيرةٌ ذكرها العلماءُ،

وقد تكلَّم العلماءُ في العزلة والاختلاط: أيُّهما أفضل؟
والرَّاجح أنَّ العُزلة أفضل ما لم يكن في الاختلاط خيرٌ.
والقول الفصل: أنَّ الإنسان لا يحتجب عن الناس أبدًا، ولا ينفتح عليهم أبدًا، ولكن يُخالِطهم
ليتعاون معهم على البرِّ والتَّقوى، فإذا قُضِيَ ما أراد من اختلاطٍ رجع إلى بيته، وتلك هي وصيَّة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لعقبة بن عامر لما قال له: «امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ».

هذا والله تعالى أعلم، ونُواصل الحديثَ -إن شاء الله- في دروس السِّيرة، وماذا كان بعد ذلك
من أنواع الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في اللِّقاء القادم.
إلى ذلك الحين نستودعكم الله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.



اسئـــلة الدرس السابع
1-لخص قصة الحجر الاسود
2- اين كان يتعبد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟
وكم كان عمره عندما نزل الوحى عليه؟؟
3-"ينبغى ان يكون للانسان وقت للخلوة " اذكر اهمية ذلك؟


(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا))
الدرس السابع:
...

ولمَّا بلغ -صلى الله عليه وسلم- خمسًا وثلاثين سنةً جاء سيلٌ عارمٌ فصدع جُدرانَ الكعبة،
وأوهَن أساسها، وكان قد أصابها من قبل حريقٌ بسبب امرأةٍ كانت تُجَمِّرها، فأرادت قريشٌ هدمها،
ولكنَّهم تهيَّبوا ذلك لمكانتها في قلوبهم، وخوَّفهم بعضُهم أن يُصيبهم الأذى.

ثم إنَّهم عزموا على بنائها، وهدموها وبنوها، وحين أرادوا أن يضعوا الحجرَ الأسودَ في مكانه اختلفت القبائلُ: أيُّ قبيلةٍ تتشرف بوضع الحجر الأسود في مكانه فتذهب بذلك الشَّرف إلى ما لا نهاية، إلى أن تقوم السَّاعة؟

فاختلفت القبائلُ فيمَن يتشرف بذلك، فأبت كلُّ قبيلةٍ أن تتنازل، فاختلفوا وتنازعوا حتى كادوا أن يقتتلوا، فأُلْهِمَ بعضُهم أن يقول: لا نختلف ونتحاكم إلى أول داخلٍ علينا. فكان أوَّلُ داخلٍ هو محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم.

فلمَّا رأوه أشخصوا أبصارهم إليه، واشرأبَّت الأعناقُ إليه، وقالوا: هذا الأمين رضيناه، هذا محمد، رضينا بحكم محمدٍ بيننا.

فقصُّوا عليه الخبرَ، ففكَّر -عليه الصَّلاة والسَّلام- ثم لم يلبث إلا قليلًا حتى بسط رداءَه على الأرض،
وأخذ الحجرَ فوضعه في وسط الرِّداء، ثم قال: لتأخذ كلُّ قبيلةٍ بطرفٍ من الرِّداء، وحملوا الحجرَ في الرِّداء
حتى رفعوه، فلمَّا وصلوا إلى مستوى وضعه أخذه -عليه الصَّلاة والسَّلام- بيده المباركة ووضعه
موضعه وبنى عليه، وبهذا وقى اللهُ تعالى قريشًا شرَّ حربٍ ربما أفنتهم.

وقد ازداد النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- بهذا منزلةً فوق منزلته، وقدرًا إلى قدره،
وأصبح حديثَ العرب في كلِّ نادٍ ومجلسٍ -عليه الصَّلاة والسَّلام.
وهكذا رأينا شيئًا من صور حياة النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قبل بعثته.




فلمَّا اقترب -عليه الصَّلاة والسَّلام- من سِنِّ الأربعين حُبِّبَ إليه الخلاءُ،
فكان -عليه الصَّلاة والسَّلام- يذهب إلى غار حِرَاء -كما تعلمون- يتعبَّد فيه، فيخلو بنفسه ويعتزل الناسَ،
ويتفكَّر في ملكوت السَّماوات والأرض، ويتعبَّد اللَّيالي ذوات العدد، حتى إذا نَفِدَ زادُه نزل إلى خديجةَ فزَوَّدته فرجع إلى الغار.
وكانت هذه هي بداية الاستعداد لتلقِّي الوحي والنُّبوة التي اختارها اللهُ -سبحانه وتعالى- لنبيه -عليه الصَّلاة والسَّلام.


ولندع أُمَّنا عائشة -رضي الله تعالى عنها- تُحدِّثنا عن الوحي وبدايته وصوره وأنواعه كما في البخاري
وغيره من كتب السُّنن والمسانيد.
عن عائشة -رضي الله عنها قالت: "أول ما بُدِءَ به رسولُ الله
-صلى الله عليه وسلم- من الوحي الرُّؤيا الصَّالحة في النَّوم،
فكان لا يرى رُؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَقِ الصُّبْح، ثم حُبِّبَ إليه الخَلاءُ؛
فكان يخلو بغار حِرَاء، فيَتَحَنَّث فيه -والتَّحَنُّث التَّعبُّد- اللَّيالي
ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوَّد لذلك".

أي أنَّه كان إذا أراد أن يدخل الغارَ -غار حِرَاء في قمة الجبل-
ويعتزل الناسَ يأخذ معه ما يحتاجه من الطَّعام والشَّراب.

قالت: "ثم يرجع إلى خديجةَ فيتزوَّد لمثلها، حتى جاءه الحقُّ وهو في غار حِرَاء، فجاءه الملكُ فقال:
«اقْرَأْ». قال: «قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ». قال: «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، قَالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ». قال: «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾

».
فرجع بها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يرجف فؤادُه، فدخل على خديجة بنت خُوَيلِد،
فقال: «زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي». أي غطُّوني غطُّوني، فزَمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوعُ.
فقال لخديجة وأخبرها الخبرَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي».


فبعد أن حكى لها ما حدث قال: أنا خائفٌ على نفسي يا خديجة.
فقالت خديجةُ -رضي الله عنها: "كلا -لا تخف- والله ما يُخزيك اللهُ أبدًا".

فهي تحلف بكلِّ ثقةٍ أنَّ الله لا يُخْزِي نبيَّه. لماذا هذه الثِّقة؟
لما رأت فيه من الصِّفات ومكارم الأخلاق، وما كان اللهُ ليُخزي مثلَ هذا الذي جمع هذه الشَّمائل،
وهذه المناقب، وهذه الفضائل، وهذه الأخلاق الكريمة.
قالت: "والله ما يُخْزِيكَ اللهُ أبدًا -لماذا؟- إنَّك لتَصِل الرَّحِمَ، وتَحْمِل الكَلَّ، وتكسِب المَعْدُومَ،
وتُكْرِم الضَّيفَ، وتُعِين على نَوَائِب الحقِّ".


فانطلقت به خديجةُ حتى أتت به ورقةَ بن نَوفَل بن أسد بن عبد العُزَّى ابن عم خديجة، وكان امرأً تنصَّر في الجاهلية،

وكان يكتب الكتابَ العربي، فيكتب الإنجيلَ بالعربيَّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ.
فقالت له خديجةُ: "يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك".
فقال له ورقة: "يا ابن أخي، ما ترى؟"
فأخبره رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- خبرَ ما رأى.
فقال ورقةُ: "هذا النَّامُوس الذي نزَّل اللهُ على موسى،
يا ليتني فيها جَذعًا -ليتني أكون حيًّا- إذ يُخْرِجُك قومُك".

يا ليت عُمري يمتدُّ وأعيشُ حتى يُجبِرُك قومُك على الخروج من مكَّة.

فقال: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟» لماذا سيُخرجونني من مكَّة؟
قال: "نعم، لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثل ما جئتَ به إلا عُودِي، وإن يُدركني يومُك أنصرك نصرًا مُؤزَّرًا".

تقول عائشةُ –رضي الله عنها: "ولكن لم يَنْشَبْ ورقةُ أن تُوفي وفَتَرَ الوحيُ".




هكذا حدَّثتنا أمُّنا عائشة -رضي الله عنها- عن بدايات الوحي وأنواعه.
وحين نتأمَّل حديثَها -رضي الله عنها- نستنتج قضايا مُهمَّة تتعلَّق بسيرة الحبيب المُصطفى -صلى الله عليه وسلم- من أهمِّها:

أولًا: الرُّؤيا الصَّالحة: ففي حديثها -رضي الله عنها- قالت: "أول ما بُدِءَ به محمد -صلى الله عليه وسلم- من الوحي: الرُّؤيا الصَّالحة".
وتُسمَّى أحيانًا بالرُّؤيا الصَّادقة.
والمُراد بالرُّؤيا: رؤيا جميلة، ينشرح لها الصَّدرُ، وتزكو بها الروحُ.

ولعلَّ الحكمةَ من ابتداء الله تعالى رسولَه -صلى الله عليه وسلم- بالوحي بالمنام: أنَّه لو لم يَبْتَدِئْهُ بالرُّؤيا وأتاه الملكُ فجأةً ولم يسبق له أن رأى ملكًا من قبل؛ فقد يُصيبه شيءٌ من الفزع؛ فلا يستطيع أن يتلقَّى منه شيئًا، لذلك اقتضت حكمةُ الله تعالى أن يأتيه الوحي أولًا في المنام؛ ليتدرَّب عليه ويعتاده.

والرُّؤيا الصَّادقة الصَّالحة جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوة،
كما في الحديث عنه -عليه الصَّلاة والسَّلام.
وقد ذكر غيرُ واحدٍ أنَّ مدَّة الرُّؤيا الصَّالحة كانت ستَّة أشهرٍ،
والرُّؤيا الصَّالحة من المُبَشِّرات كما قال -عليه الصَّلاة والسَّلام.

ثم حُبِّبَ إليه الخَلاءُ، فكان يخلو بغار حِرَاء فيتَحَنَّث فيه -أي يتعبَّد- وقد اختلف العلماءُ في صفة تعبُّده -عليه الصَّلاة والسَّلام- كيف كان يتعبَّد؟ وبأيِّ شريعةٍ كان يتعبَّد؟
فقال بعضُهم: كانت العبادة: التَّأمُّل والتَّفكُّر في ملكوت السَّماوات والأرض،
والتَّفكُّر عبادة دعانا اللهُ -عز وجل- إليها.
وقال بعضُهم: كان -عليه الصَّلاة والسَّلام- يتعبَّد الله -عز وجل- بشريعةٍ من شرائع إبراهيم -عليه الصَّلاة والسَّلام.


فكانت هذه الخَلْوةُ التي حُبِّبت إلى نفس النبي -صلى الله عليه وسلم- لونًا من ألوان الإعداد الخاصّ، وتصفيةً للنَّفس من علائق المادة البشريَّة،
إلى جانب تعهُّده الخاصّ بالتربية الإلهيَّة، والتَّأديب الرَّباني في جميع أحواله.

ولذلك استحبَّ بعضُ المُربِّين والمُرشدين للمُرِيد والطَّالب أن يحرص على هذه الخَلْوة، وأن ينفرد بنفسه،
وأن ينعزل عن الناس أحيانًا،

ففي العُزلة من الفوائد الكثير والكثير، ومنها:
أن يتعوَّد الإنسانُ على الأُنْس بالله -عز وجل.
ولذلك كان -عليه الصَّلاة والسَّلام- لا يترك هذه الخَلْوة بعد ذلك، فكان يعتكف في كلِّ
رمضان العشرة الأواخر؛ ليتعوَّد الأُنْس بالله -عز وجل.

فينبغي لطالب العلم وللعابد ولكلِّ مسلمٍ أن يجعل من ساعات يومه ساعةً للخَلْوة،
فلا تكن حياتُك كلُّها خُلْطَةً، فتختلط بالناس طوال اليوم،
بل حاول أن تجعل ساعةً تكون لك فيها عُزلة وانفراد بنفسك،
تُحاسِب نفسَك على ما قدَّمَتْ وأخَّرَتْ، وتنظر في أوقاتك، وتتأمَّل في ملكوت
ربِّك، وتتعوَّد الأُنْس بالله -سبحانه وتعالى-
حتى إذا أسلمك أهلُك للقبر وحدك وتركوك تأنس بالله -عز وجل- كما تعوَّدت أن تأنس به في حياتك وأنت حيٌّ قبل مماتك.
فالخَلْوة -أيُّها الأحبَّة- والعُزلة فيها فوائد كثيرةٌ ذكرها العلماءُ،

وقد تكلَّم العلماءُ في العزلة والاختلاط: أيُّهما أفضل؟
والرَّاجح أنَّ العُزلة أفضل ما لم يكن في الاختلاط خيرٌ.
والقول الفصل: أنَّ الإنسان لا يحتجب عن الناس أبدًا، ولا ينفتح عليهم أبدًا، ولكن يُخالِطهم
ليتعاون معهم على البرِّ والتَّقوى، فإذا قُضِيَ ما أراد من اختلاطٍ رجع إلى بيته، وتلك هي وصيَّة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لعقبة بن عامر لما قال له: «امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ».

هذا والله تعالى أعلم، ونُواصل الحديثَ -إن شاء الله- في دروس السِّيرة، وماذا كان بعد ذلك
من أنواع الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في اللِّقاء القادم.
إلى ذلك الحين نستودعكم الله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.



اسئـــلة الدرس السابع
1-لخص قصة الحجر الاسود
2- اين كان يتعبد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟
وكم كان عمره عندما نزل الوحى عليه؟؟
3-"ينبغى ان يكون للانسان وقت للخلوة " اذكر اهمية ذلك؟

منة الكريم
مديرة متخصصة

٢٢‏/٣‏/٢٠١٨ ٢،٠٤ م


((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا))

الدرس الثامن
حبيباتى فى الله إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شُرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له.
وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، اللَّهُمَّ صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعد: فإنَّ أصدق الحديثِ كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمدٍ -صلى الله عليه وآله سلم- وشرَّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

لعلكم تذكرون أننا انتهينا في دروس السِّيرة النَّبوية العطرة المُباركة إلى بدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعرفنا مما سبق أنَّ أول ما بُدِء به النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الرُّؤيا الصَّالحة -أو الصَّادقة- فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصُّبْح، ثم حُبِّب إليه الخَلاءُ، فكان يتزوَّد بما يحتاج إليه من الطَّعام والشَّراب ويصعد إلى غار حِرَاء فيتعبَّد اللَّيالي ذوات العدد، فإذا نَفِدَ زادُه رجع إلى خديجة -رضي الله عنها- فزوَّدته بزادٍ فرجع، وظلَّ هكذا حتى جاءه جبريلُ -عليه السلام- لأول مرَّةٍ بأولى الآيات نزولًا وهي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.



وحي الله -أيُّها الأحبَّة- لأنبيائه له أنواعٌ وصورٌ.

ما أنواع الوحي وصُوره؟

من أنواع الوحي: تكليم الله نبيَّه بما يُريد من وراء حجابٍ:

- إمَّا في اليقظة: وذلك مثل تكليم الله موسى -عليه السلام- ومثل ما حدث لنبينا -صلى الله عليه وسلم- ليلة الإسراء والمِعْرَاج.

- وإمَّا في المنام: كما في حديث ابن عباسٍ ومعاذٍ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: «أَتَانِي رَبِّي فَقَالَ: فِيْمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟».

فأول نوعٍ من أنواع الوحي: أن يُكلِّم اللهُ نبيَّه بما يُريد من وراء حجابٍ: إمَّا في اليقظة، وإمَّا في المنام.
والذي عليه السَّلفُ الصَّالح من أهل السُّنة والجماعة: أنَّ نبي الله موسى ونبينا -عليهما الصَّلاة والسَّلام- سمعا كلامَ الله الأزلي القديم، الذي هو صفةٌ من صفاته، وليس المسموع الكلام النَّفسي كما تزعم الأشاعرة، وليس المسموع الكلام الذي خلقه الله في الشَّجرة كما زعمت المُعتَزِلة.



ومن أنواع الوحي: إعلام الله أنبياءه ما يُريد بوساطة جبريل:
وهذا هو ما يُعرَف بالوحي الجليِّ، وحالات مجيء جبريل -عليه السلام- إلى النبي عديدة، منها:

- أن يظهر جبريلُ -عليه السلام- في صورته التي خلقه اللهُ عليها -الصُّورة الملائكيَّة- وهي حالة نادرة،

ولم يرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- جبريلَ على هذه الحالة إلا مرتين:
* مرة وهو نازلٌ بعد فترة الوحي من غار حِرَاء.
* ومرة وهو في السَّماء ليلة الإسراء والمِعْرَاج.

- الحالة الثانية: أن يأتي جبريلُ -عليه السَّلام- في صورة رجلٍ،
وكان غالبًا يأتي في صورة دِحْيَة الكلبي، ويراه الناسُ ويسمعون قوله، ولكن لا يعرفون أنَّه جبريل –عليه السلام- لأنَّه في صورة بشرٍ.
أو في صورة رجلٍ غير معروفٍ، كما في حديث عمر المشهور: "بينما نحن عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ طلع علينا رجلٌ شديدُ بَيَاضِ الثِّياب، شديدُ سوادِ الشَّعر، لا يُرى عليه أثر السَّفر، ولا يعرفه منَّا أحدٌ".

- ثالثًا: أن يأتي في صورته المَلَكِيَّة، وفي هذه الحالة لا يُرى، ولكن يصحب مجيئه صوتٌ كصوت الجرس، أو كدويِّ النَّحل، وفي هذه الحالة يتحوَّل النبيُّ من حالته البشريَّة الخالصة إلى حالةٍ يحصل فيها استعدادٌ للتَّلقِّي عن المَلَك، وهذه الحالة هي أشدُّ الحالات على النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى إنَّه كان ليَتَصَبَّبُ عرقًا في اليوم الشَّاتي البرد من شدَّة الوحي.



النوع الثالث من أنواع الوحي: القذف في قلب النبي:
وهو أن يُلقي الله أو جبريل في قلب النبي ما يُريد من الوحي، مع تيقن النبي أنَّ ما أُلقِي في قلبه من قِبَل الله تعالى.
وذلك كما قال النبيُّ -عليه الصَّلاة والسَّلام: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ جِبْرِيلَ نَفَثَ فِي رُوعِي: لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ».



والنوع الرابع من أنواع الوحي: الإلهام:
وهو العلم الذي يُلقيه الله تعالى في قلب نبيه وعلى لسانه عند الاجتهاد في الأحكام، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.



خامسًا: الرُّؤيا في المنام:
ورُؤيا الأنبياء وحيٌ، ولذلك لما رأى الخليلُ إبراهيم -عليه السلام- في المنام أنَّه يذبح إسماعيلَ بادر إلى الامتثال وتنفيذ الأمر؛ لأنَّه يعلم أنَّها وحيٌ من الله -تبارك وتعالى.

والوحي بجميع أنواعه يصحبه علمٌ يقينيٌّ ضروريٌّ من المُوحَى إليه بأنَّ ما أُلْقِيَ إليه حقٌّ من عند الله، وليس من خطرات النَّفس، ولا نزغات الشَّيطان.
وهذا العلم اليقيني لا يحتاج إلى مُقدِّماتٍ؛ وإنَّما هو من قبيل إدراك الأمور الوجدانيَّة: كالجوع والعطش ونحوهما. فأنت إذا جعت تشعر بالجوع، وإذا عَطِشت تشعر بالعطش، فكذلك النبي حين يُلقَى في قلبه يقينٌ بأنَّ هذا من الله -سبحانه وتعالى.

وهكذا تحدَّثنا عن بدء الوحي إلى النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- وعرفنا في حديث أمِّنا عائشة كيف رجع إلى خديجة يرجف فؤاده ويقول: «زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي»، إلى آخر الحديث.

وبعد هذه المرة فَتَرَ الوحيُ.
وفتر: أي انقطع عن النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- فغاب جبريلُ عن النبي فترةً اختُلِفَ في مقدارها: فقيل: كانت أيامًا. وقيل: كانت أربعين يومًا. وقيل: ستة أشهر. وقيل أكثر من ذلك. والأقوال التي هي ستة أشهر وسنتان وثلاثة وأكثر لا تصحُّ.
والراجح -والله أعلم- أنَّ جبريل انقطع عن النبي أيامًا.



وفي فترة الوحي هذه جاءت في صحيح البخاري رواية مُعلَّقة، فيها "أنَّ النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- لما فتر الوحيُ حزن حزنًا شديدًا حتى غدا مرارًا إلى الجبل ليرمي بنفسه من رأس الجبل، فكلَّما أوفى بذِرْوَة جبلٍ لكي يُلقِي نفسَه منه تبدَّى له جبريل فقال: يا محمد، إنَّك رسول الله حقًّا. فيسكن لذلك جأشُه، وتقر نفسُه فيرجع، فإذا طالت عليه فترةُ الوحي غدا لمثل ذلك".

وهذه الرِّواية وإن كانت في صحيح البخاري لكنَّها ليست على شرط الصَّحيح؛ لأنَّها من البلاغات، وهي من قبيل المُنْقَطِع، والمُنْقَطِع من أنواع الحديث الضَّعيف، والبخاري لا يُخرِّج إلا الأحاديث المُسْنَدة المُتَّصِلة برواية العُدُول الضَّابطين، فلماذا أورد هذا الحديث المنقطع؟

قال: لعلَّه ذكره ليُنبهنا إلى أنَّ هذه الرِّواية مُخالفة لما صحَّ عنده من حديث بدء الوحي -الذي ذكرناه- أو لم تُذكَر هذه الزِّيادة في حديث بدء الوحي.
ولو أنَّ هذه الرِّواية كانت صحيحةً لأوَّلناها تأويلًا مقبولًا، أمَّا وهي على هذه الحالة من الضَّعف فلا نُكلِّف أنفسنا عناءَ البحث عن مخرجٍ لها، فهي روايةٌ ضعيفةٌ.
فالرِّواية التي تقول أنَّه لما غاب عنه الوحي صار يصعد الجبلَ ليرمي نفسَه؛ لا تصح.



وفي أثناء فترة الوحي -أي في انقطاعه- كان -عليه الصَّلاة والسَّلام- يذهب إلى غار حِرَاء فيخلوا فيه ويتعبَّد، وبينما هو نازلٌ ذات يومٍ إذا سمع صوتًا من السَّماء، فرفع رأسَه فإذا جبريل في صُورته التي خلقه اللهُ عليها سادًّا ما بين الأُفُق، فرُعِبَ منه –خاف- ثم رجع إلى السيدة خديجة -رضي الله عنها- فقال: «زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي»، فزَمَّلُوه، فأنزل الله عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ *وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.

فكانت أول آياتٍ نزلت بعد فترة الوحي آمرةً له بالإنذار: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾، وداعيةً إلى توحيد الله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، فهي تدعو إلى توحيد الله وتعظيمه، وعبادته وحده، وترك عبادة غيره.

فنُبِّئ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- باللِّقاء الأول لما قال: ﴿‏اقْرَأ﴾، وأُرسِل باللِّقاء الثاني لما قال له: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾.

فالصَّحيح أنَّ أول ما نزل: ﴿‏اقْرَأ﴾، وأنَّ المدثر أول ما نزل بعد فُتُور الوحي؛ يدلُّ على ذلك ما رواه البخاريُّ في صحيحه بسنده عن جابر بن عبد الله أنَّه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُحَدِّث عن فترة الوحي فقال: «فَبَيْنَ أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ -أي من جهة السَّماء- فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ فَإِذَا الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ -أي الملك الذي جاءني بحِرَاء قبل ذلك- قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَئِفْتُ مِنْهُ حَتَّى هَوَيْتُ عَلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي»، فزمَّلوه، فأنزل الله تعالى: ﴿‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ *وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، ثم حَمِيَ الوحيُ وتتابع.

وهناك رواية تقول أنَّ أول ما نزل بعد فتور الوحي سورة الضُّحى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.

والصَّحيح ما ذكرناه أنَّ أول ما نزل بعد انقطاع الوحي بعد أول مرةٍ هو المدثر، ولعلَّ سورة الضُّحى نزلت في فُتور الوحي مرةً ثانيةً بعد ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم.



اسئـــلة الدرس الثامن
او اقتبسى اى رد لى فى الموضوع الخاص بك
اسئـــلة الدرس الثامن
س-1 اذكرِ انواع الوحى وصوره باختصار
س2- اكمل
نزل الوحى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بصورته الملائكية مرتان
الاولى .................................
الثانية..................................


منة الكريم
مديرة متخصصة

٢٩‏/٣‏/٢٠١٨ ٨،٠٢ ص


الدرس التاسع

((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا))

فلمَّا أُمِرَ بالإنذار: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾، بدأ -عليه الصَّلاة والسَّلام- الدَّعوة. كيف يبدأها؟ هل يخرج ويقف في صَحْن الكعبة ويقول: إني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد هكذا فجأةً على الملأ؟

لا، لابُدَّ من التَّمهيد والتَّخطيط، ولابُدَّ من جذب عُصْبَةٍ وإن كانت قليلةً تقف بجواره -عليه الصَّلاة والسَّلام- تحميه وتدفع عنه؛ لأنَّه سيُفاجئ الناسَ بتغيير عقيدتهم، فكانت الحكمةُ تقتضي أن يبدأ -عليه الصَّلاة والسَّلام- الدَّعوةَ سرًّا.

فبعد نزول آيات المُدثر قام -صلى الله عليه وسلم- يدعو إلى الله وإلى الإسلام سرًّا. طيب سيبدأ الدَّعوة بمَن؟ من الطَّبيعي أن يبدأ بأهل بيته وأصدقائه وألصق الناس به.

وكان أول مَن آمن به من النِّساء؛ بل أول مَن آمن به على الإطلاق: زوجه السَّيدة خديجة -رضي الله عنها.
ثم أول مَن آمن به من الرِّجال الأحرار الأشراف: صديقه الحميم أبو بكر عبد الله ابن عثمان -رضي الله عنه.
وأول مَن آمن به من الصِّبيان: ابن عمِّه المُتَرَبِّي في حِجْره علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وكان سنُّه إذ ذاك عشر سنين.
وأول مَن آمن به من المَوَالِي: حِبُّه ومَولاه ومُتَبَنَّاه زيد بن حارثة.
وأول مَن آمن به من العبيد: بلال بن رَبَاح الحبشي.
وكذلك سارعت إلى الإسلام بناتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنَّه لا شكَّ في تمسُّكهنَّ قبل البعثة بما كان عليه أبوهنَّ من الاستقامة وحُسن السيرة، والتَّنزُّه عمَّا كان يفعله أهلُ الجاهلية من عبادة الأصنام والوقوع في الآثام.
فهذا التَّرتيب في إسلام السَّابقين هو أرجح الأقوال في ترتيب إسلام السَّابقين الذين دعاهم النبيُّ -عليه الصَّلاة والسَّلام- إلى الإسلام.




فلمَّا أسلم أبو بكر -رضي الله عنه- لم يكتَفِ بالمُسارعة إلى الإيمان والتَّصديق بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بل قام أبو بكر بالدَّعوة أيضًا إلى الإسلام سرًّا، وهذا هو واجب كلِّ مَن يهديه الله تعالى للإسلام، فكلُّ مَن يهديه الله للإسلام يجب عليه مُباشرةً بعدما يهتدي أن يبدأ في دعوة الآخرين وهِدَايتهم.

فلم يكتفِ أبو بكر -رضي الله عنه- بالإسلام فقط؛ بل بدأ يدعو الناسَ أيضًا سرًّا إلى الإسلام واتِّباع النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- وكان له فضلٌ كبيرٌ في إسلام كثيرٍ من أشراف قُريش وكُبرائها، فأسلم بدعوة أبي بكر جماعةٌ من الأشراف، منهم: عثمان بن عفان، والزُّبير بن العَوَّام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقَّاص، وطلحة بن عُبيد الله.

فجاء بهم أبو بكر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين استجابوا له، فأسلموا وأصبحوا من جنود الإسلام المُخلِصين لدعوته.

ثم أسلم بعد ذلك الرَّعيلُ الأول، والرَّعيلُ الثاني، والثالث، وكَثُرَ الصَّحْبُ كثرةً ليست كثيرةً، فأختار النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مكانًا يجتمع فيه بهؤلاء الأصحاب الذين آمنوا به وصدَّقوه؛ لأنَّه لا يستطيع أن يجتمع بأصحابه علانيةً وجهرًا، فلا يستطيع أن يجتمع بهم في صَحْن الكعبة، ولا على جبل الصَّفا، ولابُدَّ أن يلتقي بهم ليُربيهم ويُعلِّمهم ويُبَلِّغهم ما يأتيه من عند الله -سبحانه وتعالى.

فاختار -عليه الصَّلاة والسَّلام- دارَ الأرقم بن الأرقم، وكان الأرقمُ -رضي الله عنه- من السَّابقين الأوَّلين، وكانت داره مُنتدى يجتمع فيه المسلمون، ويعبدون الله سرًّا، ويُلقِّنهم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الإسلامَ وأصولَه، ويتعهَّدهم بالتَّربية حتى كوَّن منهم أُناسًا يستهينون بكلِّ الآلام والبلاء في سبيل دينهم وعقيدتهم، وكان مَن يُريد الإسلامَ منهم يأتي إلى دار الأرقم مُسْتَخْفِيًا خشية أن يناله أذى قريش، وكانت دار ابن الأرقم عند جبل الصَّفا.

ومكث -صلى الله عليه وسلم- وأصحابُه في هذه الدَّار حتى أسلم الفاروقُ عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه- فاستَعْلَنُوا بعبادتهم، وراغَمُوا أهلَ مكَّة وأذلُّوهم.

وقد أعطى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الأرقمَ دارًا بالمدينة مُكافأةً له على ما أدَّته دارُه بمكَّة من خدمةٍ جليلةٍ للإسلام في أول عهده، فكانت هذه الدَّار أولَ مدرسةٍ في الإسلام؛ بل كانت أكبرَ جامعةٍ وأعظمَ جامعةٍ عرفها العالم، فخرَّجت أعظمَ رجالٍ عرفهم التاريخُ، ولا تزال هذه الدار مفخرةً خالدةً للأرقم -رضي الله عنه- على مدار التاريخ، وشَذَى جميل وعطر طيِّب يَتَضَوَّع إلى يوم القيامة.




ومضى أبو بكر -رضي الله عنه- يدعو الناسَ إلى الإسلام مع الرسول -عليه الصَّلاة والسَّلام- حتى أيَّد الله تعالى رسولَه -صلى الله عليه وسلم- بعُصْبَةٍ مُؤمنةٍ، ربَّاهم على التَّضحية من أجل العقيدة ومن أجل الدين، وحرصًا على رضا ربِّ العالمين -سبحانه وتعالى.



وبعد ثلاث سنواتٍ من الدَّعوة سرًّا جاء التَّكليفُ من ربِّ العالمين لنبيه الأمين بأن يجهر بالدَّعوة، وأن تكون الدَّعوةُ علانيةً، فانتهت السِّريةُ منذ ذلك التاريخ.
فأمر الله تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- بعد ثلاث سنوات من عمر الدَّعوة السِّرية أن يَصْدَع، وأن يجهر، وأن يُبَلِّغ الناسَ جميعًا ما أوحاه الله إليه، فقال تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.

فجهر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بالدَّعوة، واستَعْلَنَ بها هو وأصحابه، فلم يبعد منه قومه ولم يردُّوا عليه حتى عاب آلهتَهم، وسفَّه أحلامَهم، وبيَّن لهم ما هم فيه من الضَّلالة والجهل والخُرافات؛ فحينئذٍ جاهروه وصحبَه بالعداوة، وعزموا على مُخالفته عصبيَّةً وجهلًا.

ولمَّا لم يُمكنهم أن يقرعوا الحُجَّة بالحُجَّة وأُفْحِمُوا لجؤوا إلى السِّباب والشَّتم والإيذاء والتَّعذيب، ومن ثَمَّ بدأ دور المحنة والبلاء، وكان دورًا طويلًا شاقًّا أُوذِي فيه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على الرَّغم من دفاع عمِّه أبي طالب عنه، ووقوفه بجواره، وأُوذِي المسلمون غاية الإيذاء، ولاسيَّما العبيد والضُّعفاء.
فلمَّا نزل قولُ الله -تبارك وتعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ صَعِدَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على الصَّفا، فجعل يُنادي: «يَا بَنِي فِهْر، يَا بَنِي عَدِي». لبطون قريش: يا بني فلان، يا بني فلان. حتى اجتمعوا عنده، وكان الرجلُ إذا لم يستطع الخروجَ يبعث من عنده مَن يتحرى له الخبرَ ويعرف له الحقيقة.

فجاء أبو لهبٍ وقريش والنبيّ على الصَّفا، فقال: «أَرَأَيْتُكُمْ لَو أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» فهم في الوادي أسفل، وهو فوق الجبل، ومَن على الجبل يرى ما لا يراه مَن في الأسفل.
فقال: لو قلتُ لكم أنَّ ورائي عدو يُريد أن يُغِير عليكم، أتُصدِّقوني؟ قالوا: نعم، ما جرَّبنا عليك إلا صدقًا.
قال: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ». فقال أبو لهب -وللأسف هو عم النبي: تبًّا لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟!
أنت أخرجتنا من بيوتنا حتى تقول هذا الكلام! تبًّا لك.
وتبًّا: أي هلاكًا وموتًا.
فأنزل الله تعالى في الردِّ على أبي لهب: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ *فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾.

وكانت امرأةُ أبي لهبٍ أيضًا من أشدِّ الناس عداوةً للنبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- فكانت تسعى بالإفساد بينه وبين الناس بالنَّميمة، وكانت تضع الشَّوكَ في طريقه، والقذر على بابه، فكان يُنَحِّيه ويقول: «أَيُّ جِوَارٍ هَذَا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ؟!» فلا عجبَ إذا كان الله -عز شأنه- توعَّد امرأةَ أبي لهب بشديد العذاب كما توعَّد زوجها.

ولما سمعت امرأةُ أبي لهبٍ ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن؛ أتت رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وهو جالسٌ في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصِّديق، وفي يدها حجرٌ مِلْء الكَفِّ، فلمَّا وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبُك؟ قد بلغني أنَّه يهجُوني، والله لو وجدتُه لضربته بهذا الحجر. فانصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله، أَمَا تراها رأتك؟ قال: «مَا رَأَتْنِي، لَقَدْ أَخَذَ اللهُ بِبَصَرِهَا عَنِّي». وهكذا حفظ اللهُ رسولَه -صلى الله عليه وسلم- من تلك المرأة التي جاهرته بالعداوة.




اسئـــلة الدرس التاسع
اكمل:
1- اول من اسلم من النساء.......... ومن الرجال.........ومن الصبية................. ومن الموالى........
2- كان يجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه سرا فى.................

3- تم الجهر بالدعوة بعد ...........سنوات من السرية
4- كان سيدنا ابو بكر الصديق رضى الله عنه سببا فى اسلام .........و.................و...................... ....
******************
س2: كيف كانت زوجة ابى لهب تؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم


منة الكريم
مديرة متخصصة

٥‏/٤‏/٢٠١٨ ٦،٤٧ م


الدرس العاشر
((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا))


فلمَّا رأت قريش أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ماضٍ في دعوته، يُسَفِّه أحلامَهم، ويذمُّ آلهتهم،
ويدعوهم إلى ترك ما يعبدون وآباؤهم الأقدَمُون؛ حاولت قريش بكلِّ الأساليب
وكلِّ الطُّرق أن تصُدَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هذه الدَّعوة، وأن تصرف الناسَ من حوله،
فاستخدموا لذلك أساليبَ كثيرةً.

فمن أساليب قريش التي حاولت أن تُوقِف بها الدَّعوة، وتُسْكِت بها صوتَ الحقِّ:

أنَّهم حاولوا أن يصرفوا أبا طالبٍ عن النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- فجاؤوا إليه فقالوا:
إنَّ ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا، فانهه عنَّا.
فقال أبو طالب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: أي بُني، هؤلاء أعمامك زعموا
أنَّك تُؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانتهِ عن أذاهم.

فحلَّق رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ببصره إلى السَّماء، فقال: «تَرَوْنَ هَذِهِ الشَّمْسَ؟». قالوا: نعم. فقال: «مَا أَنَا بِأَقْدَرَ عَلَى أَنْ أَدَعَ ذَلِكَ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ تُشْعِلُوا مِنْهَا بِشُعْلَةٍ».
أي إذا كنتم تستطيعون أن تستوقِدُوا من الشَّمس فسأترك الأمرَ الذي بعثني الله به.

وفي روايةٍ قال: «وَاللهِ مَا أَنَا بِأَقْدَرَ أَنْ أَدَعَ مَا بُعِثْتُ بِهِ مِنْ أَنْ يُشْعِلَ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الشَّمْسِ شُعْلَةً مِنَ النَّارِ». فقال أبو طالب: والله ما كذب ابنُ أخي قط، فارجعوا راشدين.




وحاولت قريش مرات عديدة الضَّغط على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بوساطة عائلته، ولكنَّها فشلت.



كذلك حاولوا تشويه دعوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخذوا يتَّهمونه بالتُّهَم، ويصفونه بالصِّفات الذَّميمة والقبيحة، فقالوا: ساحر، شاعر، كاهن، مجنون. وقالوا في القرآن: سِحْرٌ يُؤْثَر.

فبرَّأه اللهُ مما قالوا، فقال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ ولَا مَجْنُونٍ﴾. وقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. وقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ *وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾.




ثم لجؤوا إلى الاضطهاد والتَّعذيب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولمَن آمن معه، وأُوذِي -عليه الصَّلاة والسَّلام- إيذاءً كثيرًا،

ومن هذا الأذى الذي لحقه من قومه: قول أبي جهلٍ: هل يُعَفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهركم؟ ويعني به: الصلاة، أي أليس محمد يُصلي ويضع وجهَه في الأرض؟ فقيل: نعم. فقال: واللاتِ والعُزَّى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته، أو لأُعَفِّرنَّ وجهَه في التُّراب.
قال: فأتى رسولَ الله وهو يُصلي يزعم أنَّه قادرٌ على أن يفعل ما توعَّد به. قال: فما فجأهم منه إلا وهو يرجع إلى الوراء ناكِصًا على عَقِبَيهِ ويتَّقي بيديه.
فقيل: ما لك؟ قال: إنَّ بيني وبينه لخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً.
فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم: «لَو دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا».

ومما لحقه من الأذى ما ذكره ابنُ مسعودٍ فقال: "بينما رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قائمٌ يُصلي عند الكعبة، وجمعٌ من قريشٍ في مجالسهم، إذ قال قائلٌ منهم: ألا تنظرون إلى هذا المُرائي؟ أيُّكم يقوم إلى جَزُور آل فلان فيعمد إلى فَرْثِها ودَمِها وسَلَاهَا". هناك جمل مذبوح، مَن يقوم فيأتي ببطن الجمل ويضعه على محمد وهو يُصلي؟ "فانبعث أشقاهُم، فلمَّا سجد -صلى الله عليه وسلم- وضعه بين كتفيه"، ومع ذلك ثبت -عليه الصَّلاة والسَّلام- في سجوده، وهم يضحكون ويتمايل بعضُهم على بعضٍ، "فانطلق مُنطَلِقٌ إلى فاطمة -رضي الله عنها- وهي جُويريَّة صغيرة، فأقبلت تسعى، وثبت النبيُّ حتى جاءت فاطمةُ وألقت عنه ما وضعوه على ظهره، وأقبلت عليهم تسُبُّهم، فلمَّا قضى -عليه الصَّلاة والسَّلام- الصلاةَ قال: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ»، ثم سمَّى منهم بعضَهم: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِفُلَانٍ، وَعَلَيْكَ بِفُلَانٍ، وَعَلَيْكَ بِفُلَانٍ»، فقُتِلُوا جميعًا يوم بدر".

كذلك لحق الصَّحابة -رضوان الله عليهم- من الأذى الشَّيء الكثير، فأُوذي أبو بكر -رضي الله عنه- نفسه، فضلًا عن ضُعفاء المسلمين.

وقصة تعذيب بلال -رضي الله عنه- بسبب إسلامه مشهورة،

يقول عبدُ الله بن مسعود: "أول مَن أظهر الإسلامَ سبعة: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر، وعمَّار، وأُمُّه سُمَيَّة، وصُهَيب، وبلال، والمِقْدَاد.
فأمَّا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فمنعه الله بعمِّه أبي طالب.
وأمَّا أبو بكر فمنعه الله بقومه.
وأمَّا سائرهم فأخذهم المُشركون فألبسوهم أَدْرُعَ الحديد، وصهروه في الشَّمس"، أي ألبسوهم قمصان الحديد ووضعوهم في الشمس، "فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم -أي وافقهم- على ما أرادوا".


فكان المشركون يضربون الواحد منهم ويقولون له: اكفر بمحمد. ماذا سيفعل تحت وطأة التَّعذيب؟ أجابهم إلى ما قالوا كارهًا؛ إلا بلال فإنَّه هانت عليه نفسُه في الله، وهان عليه قومُه، فأعطوه الولدان -أعطوه للأطفال الصِّغار- وأخذوا يطوفون به شِعَابَ مكة، وهو يقول: أحد أحد، أحد أحد.

أذى كثير وتعذيب واضطهاد لحق النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ومع ذلك صبروا كما أمرهم الله -تبارك وتعالى- واحتسبوا الأجر والثواب عند الله -سبحانه وتعالى.




فلمَّا رأى النبيُّ -عليه الصَّلاة والسَّلام- أنَّ الأذى يشتد بأصحابه أشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة، فهاجروا -رضي الله عنهم.

فماذا كان من شأنهم في هذه الهجرة؟ وما الدُّروس المُستفادة التي نأخذها من هذه الهجرة؟

كانت للهجرة إلى الحبشة أسبابٌ:

منها: الأذى والاضطهاد والتَّعذيب الذي لحق الصَّحابة -رضوان الله عليهم- كما أشرنا.

ومنها: الفرار بالدِّين، فالله -سبحانه وتعالى- قد أمر المُستَضْعَفِين في الأرض بالهجرة فقال: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾،
فإذا استُضْعِف مسلمٌ في بلدٍ وعجز عن إظهار دينه؛ وجبت عليه الهجرةُ إلى أرضٍ يستطيع فيها القيامَ بشعائره إذا كان يستطيع الهجرة، فكان الفرارُ بالدِّين خشية الافتتان سببًا مُهمًّا من أسباب الهجرة إلى الحبشة.

ومنها: نشر الدَّعوة خارج مكة.

ومنها: البحث عن مكانٍ آمنٍ للمسلمين، فهم في مكة لا يأمنون على أنفسهم، فهاجروا للبحث عن بلدٍ يأمنون فيه على أنفسهم.




لماذا أشار النبيُّ -عليه الصَّلاة والسَّلام- على أصحابه بالهجرة إلى الحبشة دون غيرها من البلاد؟ فلِمَ لم يذهبوا لليمن، أو للمدينة؟ لماذا لم يذهبوا إلى أيِّ مكانٍ هنا أو هناك؟ لماذا خصَّ الهجرةَ بالحبشة؟

أشار النبيُّ -عليه الصَّلاة والسَّلام- إلى السبب في الهجرة إلى الحبشة بقوله لأصحابه: «لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ؛ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ».

وكان النَّجاشِيُّ ملكًا، وكان نصرانيًّا، لكنَّه كان ملكًا عادلًا موصُوفًا بالصلاح، فقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم: «وَكَانَ بِالْحَبَشَةِ مَلِكٌ صَالِحٌ يُقَالُ لَهُ: النَّجَاشِيّ، لَا يُظْلَمُ أَحَدٌ بِأَرْضِهِ»، وكان يُثني عليه، فلذلك أشار -عليه الصَّلاة والسَّلام- على أصحابه بالهجرة إلى الحبشة.

ثم إنَّ الحبشة هي مَتْجَر قريش، والتِّجارة كانت عماد الاقتصاد القُرشي، والحبشة تُعتبر من مراكز التِّجارة في الجزيرة، فربما عرفها بعضُ المسلمين عندما ذهبوا إليها في التِّجارة.




وحاولت قريش أن تُطارد المُهاجرين من الصَّحابة، وتردهم إليهم؛ لينتقموا منهم، فيُعذِّبوهم أو يقتلوهم، فأرسلوا إلى النَّجاشي وفدًا ليردّهم إليهم، ولكن النَّجاشي لصلاحه وعدله أبى أن يردَّ المُهاجرين مع وفد قريش الذي بعثته إليه.

وفي أثناء إقامة المسلمين الأوَّلين الذين هاجروا إلى الحبشة الهجرة الأولى؛ أسلم حمزة -رضي الله عنه- وعمر بن الخطاب -رضي الله عنه.

فلمَّا أسلم حمزة وعمر وجد المسلمون في ذلك مَلاذًا، وصاروا يُظهِرون إسلامَهم، ويُظهِرون عزَّتهم وكرامتهم بإسلام حمزة وعمر -رضي الله عنهما.

فبلغ الخبرُ المُهاجرين في الحبشة أنَّ حمزة أسلم -عم النبي- الأسد المشهور المعروف بشجاعته وجرأته، وعمر كذلك، وهو الفاروق المشهور بجرأته وشجاعته، فكان الخبرُ بإسلام حمزة وعمر السببَ في عودة المُهاجرين إلى مكة بعد الهجرة الأولى، فهذا هو السَّبب الرَّئيس في عودة المُهاجرين إلى الحبشة، وهناك سبب يُروَى في قصةٍ باطلةٍ يجب التَّنبيه إليها ولا يجوز تركها.
هذه القصة هي المعروفة بقصة الغَرَانِيق،




ما الغَرَانِيق؟
قالوا: إنَّ النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- وهو يقرأ القرآنَ ألقى الشيطانُ على لسانه مدح اللات والعُزَّى، فقرأ: "أفرأيتم اللات والعُزَّى، ومناة الثالثة الأخرى، تلك الغَرَانِيق العُلَى"، ومدح هذه الأصنام والأوثان التي يعبدها المشركون، فسُرَّ المشركون بذلك، ولذلك لما قرأ آخر السورة: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾، سجدوا معه.
فقالوا: بلغ الخبرُ المهاجرين إلى الحبشة أنَّ أهل مكة أسلموا، فرجع المُهاجرون إلى مكَّة.
هذه القصة -يا إخواني- يقول عنها العلماءُ: إنَّها أسطورة باطلة، لا تصحُّ أبدًا.

كيف نُفنِّد هذه القصة ونُبطلها؟

أولًا: من القرآن الكريم:
قال الله تعالى في حقِّ النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾، فتوعَّد اللهُ رسولَه أنَّه لو تقوَّل في القرآن قولًا صغيرًا أو كبيرًا، قليلًا أو كثيرًا: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾، وما يدفع عنه عذابَ اللهِ دافعٌ، فلو تقوَّل لفعل الله به، ولكن الله لم يفعل به، فثبت أنَّه لم يتقوَّل.

ثانيًا: الله -عز وجل- قد تكفَّل بنفسه بحفظ هذا القرآن الكريم، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، فكيف يسمح اللهُ -سبحانه وتعالى- بأن يدخل في القرآن ما ليس منه؟
فهذه الأدلة النَّقليَّة من القرآن تدلُّ على بطلان قصة الغَرَانِيق التي جعلها بعضُهم سببًا في عودة المُهاجرين إلى مكَّة من الحبشة.

أمَّا بطلانها من جهة العقل بعد أن قام الدَّليل النقلي عليها: فقد أجمعت الأُمَّةُ على عصمة النبي -صلى الله عليه وسلم- من مثل هذا، إذ لو جاز هذا من الرسول لجاز عليه الكذب، والكذب على الرسول مُحالٌ، فصدور مثل هذه القصة عن الرسول مُحال، ولو قاله عمدًا أو سهوًا لم تكن له عصمةٌ، وهذا مردودٌ؛ فدلَّ ذلك على بُطلان هذه القصة.

ثم إنَّ القصة تُنافي التوحيدَ الذي ظلَّ -عليه الصلاة والسلام- يُجاهد من أجل نشره منذ أن قال له ربُّه: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى أن تُوفي، فكيف يمدح الأصنامَ وهو الذي بُعِثَ ليهدمها في قلوبهم؟!

ثم إنَّ هذه القصة كما أنَّها باطلة بالدَّليل النَّقلي والدَّليل العقلي؛ فإنَّ اللغة أيضًا تُبطلها؛ لأنَّ الكلام فيها كلامٌ ركيكٌ، ضعيفٌ، لا يرتقي إلى درجة البلاغة التي كان عليها القرآنُ الكريم، وبسببها عجز العربُ عن أن يأتوا بشيءٍ من مثل القرآن مع أنَّ الله -تبارك وتعالى- طلب منهم أن يأتوا بشيءٍ مثله أكثر من مرةٍ فلم يستطيعوا، قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ *فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، اتقوها بالإيمان بأنَّ القرآن كلامُ الله ربّ العالمين، وليس كلام محمدٍ -صلى الله عليه وسلم.




ولما رأت قريش أنَّ أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد كثروا وعزُّوا بعد إسلام حمزة وعمر -رضي الله عنهما- وأنَّ المُهاجرين إلى الحبشة قد نزلوا بلدًا أصابوا فيه أمنًا وقرارًا، وأنَّ النَّجاشي قد منع مَن لجأ إليه منهم، ورأوا الإسلامَ يفشوا في القبائل؛ أرادوا أن يتَّخذوا قرارًا حازمًا يقضون به على هذه الدَّعوة، فرأوا أن يقتلوا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم وبني المطلب وأمرهم فأدخلوا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- شِعْبَهم -شِعْب بني هاشم- ومنعوه ممن أرادوا قتلَه، فأجابوه لذلك حتى الكُفَّار منهم، وفعلوا ذلك حميَّةً للرحم والقرابة على عادة الجاهليَّة في ذلك، ولم يشذّ عن هذا الإجماع -على حماية الرسول- إلا أبو لهب ابن عبد المطلب، فقد انحاز إلى قريش وظاهرهم على ابن أخيه. سبحان الله! سبحان الله!

فلمَّا رأت قريش أنَّ بني هاشم وبني المطلب أدخلوا محمدًا في الشِّعْب -أي حفظوه وصانوه- وعجزت قريش عن الوصول إليه لقتله؛ أجمعوا أمرهم وائتمروا فيما بينهم على أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم والمطلب: ألا ينكحوا إليهم، ولا يُنكِحُوهم –أي لا يتزوَّجوا منهم ولا يُزَوِّجوهم- ولا يبيعوا منهم شيئًا ولا يبتاعوا، ولا يقبلوا منهم صلحًا أبدًا حتى يُسلِموا رسولَ الله إليهم ليقتلوه، وكتبوا هذا في صحيفةٍ بخطِّ منصور بن عكرمة في رواية ابن إسحاق، وقال ابنُ سعد: بخط بغيض بن عامر.

فدعا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على الكاتب فشُلَّت يمينُه، وعلَّقوا الصَّحيفةَ في جوف الكعبة هلال المحرم سنة سبع من النبوة، وأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا، مُحاصَرِين في الشِّعب، وهو ما يُسمُّونه في العصر الحاضر: الحصار الاقتصادي، الذي يفرضوه على كلِّ مَن أرادوا من المسلمين.

فالحصار الاقتصادي هذا سلاحٌ كافِرٌ يستخدمه الكفَّارُ منذ أن بُعِثَ النبيُّ -عليه الصَّلاة والسَّلام.




أقام بنو هاشم وبنو المطلب في الشِّعب مع رسول الله سنتين أو ثلاثًا حتى أصابهم الجَهْدُ، وكان لا يصل إليهم شيءٌ إلا سرًّا مُستَخْفِيًا ممن أراد صلتهم من قريش.

وكان ممن يصلهم: حكيم بن حِزَام ابن أخي السيدة خديجة -رضي الله عنها- وهشام بن عمرو العامري، وكان أوصلهم لبني هاشم؛ وذلك لأنَّه ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمِّه، ولذلك كان هشام لبني هاشم واصلًا، وكان ذا شرفٍ في قومه، فكان يأتي بالبعير وبنو هاشم وبنو المطلب في الشِّعْب ليلًا قد أَوقَرَهُ طعامًا -أي حمَّل عليه حملًا ثقيلًا جدًّا- حتى إذا بلغ فمَ الشِّعْب خلع خطَامَه من رأسه -أي الزِّمَام- ثم يضرب على جنبيه، ثم يأتي به قد أُوقِر بُرًّا –قمحًا- فيفعل به مثلَ ذلك.

وفي ذات يومٍ كان حكيم بن حِزَام مع غلامٍ يحمل قمحًا يُريد به عمَّته السيدة خديجة -رضي الله عنها- وهي عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعه في الشِّعْب، فقابله أبو جهل فتعلَّق به وقال: أتذهب بالطَّعام إلى بني هاشم؟! فوالله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحَك بمكة.

فاتَّفق مجيء أبي البُخْتُري ابن هشام بن الحارث، فقال لأبي جهل: ما لك وما له؟ فقال: يحمل الطَّعام إلى بني هاشم. قال: طعامٌ كان لعمَّته عنده بعثت إليه فيه، أتمنعه أن يأتيها بطعامها؟! خلِّ سبيل الرجل. فأبى أبو جهل حتى نال أحدُهما من الآخر، فأخذ أبو البُخْتُري لِحَى بعيرٍ فضربه به؛ فشجَّه، ووطأه وطئًا شديدًا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله وأصحابه فيشمتوا بهم.
ومع كلِّ هذا فقد كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو قومَه ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهرًا، لا يتَّقي في ذلك ولا يخاف أحدًا من الناس.




فلمَّا أسلم عمرُ وأعزَّ اللهُ به الإسلام، وتمكَّنوا من الصَّلاة بالمسجد الحرام، ووصل الخبرُ إلى المهاجرين إلى الحبشة -كما قلت- رجعوا إلى مكَّة، فدخل منهم مَن دخل في جوار نفرٍ من أهلها، وعصمهم الله -سبحانه وتعالى- وحفظهم،

ولكن اشتدَّ العذابُ مرَّةً ثانيةً بالمسلمين -ومنهم المهاجرون الذين عادوا إلى مكة- اشتدَّ أكثر من ذي قبل بعد المُهادنة التي أعقبت إسلام عمر -رضي الله عنه- فاضطروا للخروج إلى الحبشة مرةً ثانيةً،

وهاجر كثيرٌ من الصَّحابة، فكانوا في الهجرة الأولى لا يُعدُّون على أصابع اليدين -فكانوا عشرة رجال ومعهم امرأتان- بينما في الهجرة الثانية كانوا ثمانين رجلًا، وقيل: اثنان وثمانون، وقد سمَّى المؤرخون هؤلاء المُهاجرين إلى الحبشة مرةً ثانيةً وعدُّوهم عدًّا.




فلمَّا وصلوا إلى الحبشة ورأت قريش أنَّهم قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة، وصارت لهم دارٌ واستقرارٌ، وعلموا أنَّ النَّجاشي أحسن نزلهم وأكرمهم، وأنَّه لا يُؤذيهم أحدٌ عنده؛ بعثوا إلى النَّجاشي بهدايا كثيرةٍ إغراءً له وإطماعًا في أن يرد عليهم هؤلاء المُهاجرين، لكن الرجل من عقله وحكمته دعا المهاجرين وسمع منهم ما سمعوه أو بعض ما سمعوه من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من القرآن، وأراد الوفدُ أن يُوقِع بين النَّجاشي وهذا النَّفَر؛ فقالوا: إنَّهم يُخالفونك في عقيدتك في المسيح ابن مريم. فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقرؤوا عليه القرآنَ. فقال: والله ما هذا وما جاء به عيسى إلا يخرج من مِشْكَاةٍ واحدةٍ، وأسلم النَّجاشي -رضي الله عنه.

وبهذا نكون قد انتهينا في دراسة السِّيرة إلى الهجرة الثانية إلى الحبشة.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يُوفِّقنا إلى التَّمام والانتهاء، وأن يمُدَّنا بمددٍ من حوله وقوَّته، وأن ينفعنا بما نقول ونسمع، وأن يرزقنا التَّأسِّي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنَّه ولي ذلك والقادر عليه.
هذا والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




اسئـــلة الدرس العاشر
1- كانت قريش بكلِّ الأساليب وكلِّ الطُّرق أن تصُدَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هذه الدَّعوة،
وأن تصرف الناسَ من حوله، فاستخدموا لذلك أساليبَ كثيرةً.
اذكر بعض هذه الاساليب؟
2-لماذا امر الرسول صلى الله عليه وسلم اصحابه بالهجرة الى الحبشة؟ ولماذا ارض الحبشة بالذات؟

3- كم عدد المهاجرين الى الحبشة فى الهجرة الاولى والهجرة الثانية؟


عرض المزيد
اختر رقم الصفحة 1 2 3 الأخيرة >>
موضوعات مميزة

رسالة من شاب اتصل بالشيخ محمد الغليظ للبنات

صوره التقطها مصور فرنسى من الجو لحُجاج بيت الله وهم بالقرب من قرية الجحفة بالحجاز

رحلتى الحقيقية الرابعة إلى رأس البر (( حملة رحلة حقيقية وتجربة فعلية ))

يلا فتوكات اتوقعوا نتيجة لقاء النهائي بين الأهلي والزمالك في دوري أبطال أفريقيا

توقعي يا فتوكة نتيجة مباراة القمة بين الهلال والنصر في كأس خادم الحرمين الشريفين

رحله الى منتجع هيلتون المنقف ( رحله حقيقيه وتجربه فعليه )

بصي يا ستي دي تعليمات بسيطة للمذاكرة.

رحلتي الخامسة الحقيقية مدينة ينبع السعودية ( رحلة حقيقية وتجربة فعلية)

السيرة للنبويه بالعاميه الحلقه التاسعه

رحله علميه للمتحف العلمى التربوى فرجه وذكرى (رحله حقيقيه وتجربه فعليه )

رحلتي العاشرة والاخيرة من الجزء الثالث رحلة حقيقية إلي الخارجة أو الوادي الجديد. مع (نسمة المؤمن)

رحلتي الى ابو ظبي حمله رحله حقيقيه وتجربه فعليه مع نانا نزوله

حديقة ليجولاند بدبي حمله رحله حقيقيه وتجربه فعليه

رحلتي الرابعة الحقيقية المتحف المصري ووسط البلد (القاهرة) رحلة حقيقة وتجربة فعلية

رحلتي التاسعة بالجزء الثالث رحلة حقيقية إلي شرم الشيخ..مع(نسمة المؤمن)

رحلتنا الحقيقيه الى فرنسا حمله رحله حقيقيه وتجربه فعليه مع نانا نزوله

برج خليفة ناطحة سحاب حمله رحله حقيقيه وتجربه فعليه

السيرة النبويه بالعاميه الحلقه الثامنه

رحلتي الثامنة بالجزء الثالث رحلة حقيقية لعروس النيل فى الجنوب" أسوان " .مع( نسمة المؤمن)

رحلتنا اليوم كشته يعنى رحله الى الصحراء ( رحله حقيقيه وتجربه فعليه )

مشرفات القسم
مراقبات القسم
الفتوكات المتواجدات
الزائرات المتواجدات